ج: بين الفقهاء نزاع في هذه المسألة، فذهب أبو حنيفة والمشهور من مذهب أحمد وكثير من الشافعية وغيرهم إلى تحريم قراءة القرآن للحائض والنفساء والجنب, واستدلوا بحديث ضعفه أهل المعرفة بالحديث، وفيه أن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَا تَقْرَأِ الحَائِضُ، وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ » ضعيف سنن أبي داود (131), وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (1/487) قال: وأما حديث ابن عمر مرفوعًا فضعيف من جميع طرقه- وضعفه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (21/460) قال: هو ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث، وضعفه العلامة ابن باز، والعلامة الألباني وغيرهم.

وذهب ابن عباس رضي الله عنهما والإمام مالك والشافعي في المشهور عنه, وهو قول في مذهب الإمام أحمد والإمام البخاري وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم وداود والإمام الطبري وابن المنذر وغيرهم إلى جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء، واختلفوا في الجنب, وحجتهم في ذلك ما يلي:
1- الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت: «كَانَ رَسُوْلُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». أخرجه البخارى (247)، ومسلم (2710).

2- عندما حاضت عائشة قبل أعمال الحج قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» أخرجه البخاري (305), ومسلم (1211).
ومن المعلوم أن الحاج يذكر الله، ويقرأ القرآن، فكذلك الحائض لها ذلك.

3- قوله صلى الله عليه وسلم: «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» أخرجه البخاري (285), ومسلم (371). فهذا نص عام يدل على أن المؤمن لا ينجس لا بجنابة ولا حيض ولا غير ذلك.

4- عن عائشة قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناوله الخمرة من المسجد فقلت: إني حائض، فقال: « تَنَاوَلِيهَا فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أخرجه مسلم (298). وفي رواية أبي هريرة، فقال: «يَا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أخرجه مسلم (299). قالوا في هذا الحديث دليل على أن الحائض ليست نجسة.
ومنع أكثرهم قراءة القرآن للجنب، وحجتهم أن الجنب يمكن أن يتطهر فلا عذر له.

والراجح: جواز قراءة القرآن للحائض والنفساء، وذلك لقوة أدلة المجيزين وضعف أدلة المانعين، هذا من حيث أدلة النقل, أما أدلة العقل, فتقتضي الأخذ بهذا القول؛ لأن القاعدة الأصولية تقول: «المشقة تجلب التيسير», ومن المشقة أن أمنع امرأة من مراجعه ما معها من القرآن أربعين يومًا, وربما أكثر؛ لأنها نفساء, وهذا في الغالب يفضي إلى نسيان ما تحفظ، فيجلب لها المشقة في إعادة حفظ ما معها من القرآن فضلًا عن نقص الإيمان الذي يحدث إذا اجتمع عليها مع ترك الصلاة ترك تلاوة كتاب الله.

أما الجنب, فلا بأس من قراءته للقرآن كما قال ابن عباس والبخاري وغيرهما.

قال ابن عباس: يقرأ ورده, وقال سعيد بن المسيب: يقرأ القرآن، أليس هذا في جوفه؟ , وإن كان الأفضل بلا نزاع المسارعة في رفع حدث الجنابة وتلاوة القرآن على طهارة, والله تعالى أعلم وأعلى.

القائمة