fbpx
أحدث المقالات :

فقه المرأة

باب النكاح: المقالة الثانية والأربعون

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

     تحدثنا في المقالة السابقة عن وليمة العرس وحكمها، وجواز الوليمة دون ذبح، وحكم إجابة الداعي إلى وليمة العرس، وما يقول الرجل عند الزواج، وما يقول الرجل إذا أتى أهله، ونستكمل بعض الأحكام المتعلقة بفقه النكاح سائلين الله عز وجل أن يتقبل جهد المقل وأن ينفع به المسلمين.

 أولًا: المحرمات من النساء:

المحرمات تحريمًا مؤبدًا:

وهن النساء اللائي يحرمن على الرجل تحريمًا مؤبدًا فلا يحل له الزواج بإحداهن في جميع الأوقات، وهن:

(1) المحرمات من النسب.

(2) المحرمات من الرضاع.

(3) المحرمات بسبب المصاهرة.

وقد نص القرآن على تحريم هؤلاء النسوة على الرجل تحريمًا مؤبدًا، وهن المذكورات في الآية.

قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا[النساء: 23].

 

أولاً: المحرمات من النسب:

المحرمات من النسب سبع وهن:

1- الأم و البنت و الأخت و العمة و الخالة وبنت الأخ وبنت الأخت.

قال تعالى:حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ [النساء: 23].

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (1/453):

هذه الآية هي آية تحريم المحارم من النسب وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر.

عن ابن عباس قال: «حرمت عليكم سبع نسبأ وسبع صهرًا وقرأ الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ- أخرجه البخاري (5015).

قال الشافعي في الأم (5/221):

فالأمهات: أم الرجل وأمهاتها وأمهات آبائه وإن بعدن الجدات، لأنه يلزمهن اسم الأمهات.

والبنات: بنات الرجل لصلبه، وبنات بنيه وبناته وإن سفلن، فكلهن يلزمهن اسم البنات.

والأخوات: من ولد أبوه لصلبه أو أمه بعينها.

وعماته: من ولد جده وجدته ومن فوقهما من أجداده، وجداته.

وخالاته: من ولدته جدته أم أمه ومن فوقها من جداته من قبلها.

وبنات الأخ: كل من ولد الأخ لأبيه أو لأمه أو لهما ومن ولد ولده وأولاد بني أخيه وإن سفلوا.

وهكذا بنات الأخت.

وقد نقل ابن حزم الإجماع على هذا في مراتب الإجماع (ص: 119 120).

ثانيًا: المحرمات من الرضاع:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول:

ذهب جماهير العلماء: الأئمة الأربعة وابن حزم وغيرهم إلى أن ما يحرم بالنسب يحرم بالرضاعة.

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

1- أخرج البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «جَاءَ عَمِّي مِنْ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ  فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ  فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَةِ»- أخرجه البخاري (5239).

– وفي رواية « يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النَّسَبِ»- أخرجه أحمد في المسند (3144)، والبيهقي في السنن الكبرى (10/397).

2- وعن عمرة أن عائشة أخبرتها أَنَّ رَسُولَ اللهِ  كَانَ عِنْدَهَا وَأَنَّهَا سَمِعَتْ صَوْتَ رَجُلٍ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِ حَفْصَةَ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا رَجُلٌ يَسْتَأْذِنُ فِي بَيْتِكَ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أُرَاهُ فُلَانًا لِعَمِّ حَفْصَةَ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَوْ كَانَ فُلَانٌ حَيًّا لِعَمِّهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ دَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : نَعَمْ إِنَّ الرَّضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنْ الْوِلَادَة»- أخرجه البخاري (2646) ومسلم (1444).

وجه الدلالة:

دلت هذه الأحاديث على أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

القول الثاني:

ذهب داود الظاهري ومن وافقه، إلى أنه لا تثبت حرمة الرضاع بين الرجل والرضيع، واحتجوا بقول الله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ[النساء: 23]، ولم يذكر البنت أو العمة كما ذكرهما في النسب.

وتعقب بأنه ليس في الآية نص بإباحة البنت والعمة ونحوهما، لأن ذكر الشيء لا يدل على سقوط الحكم عما سواه لو لم يعارضه دليل آخر، كيف وقد جاءت هذه الأحاديث الصحيحة؟ والله أعلم شرح مسلم للنووي (5/274).

أقوال أهل العلم في المسألة:

قال السرخسي في المبسوط (5/125):

ولا ينبغي للرجل أن يتزوج امرأة ابنه من الرضاعة ولا امرأة أبيه من الرضاعة وكذلك أجداده ونوافله وهو نظير الحرمة الثابتة بالنسب، وعلى هذا الأخوات من الرضاعة، أما إذا أرضعت امرأة واحدة ثنتين فهما أختان، فإن كان زوجها واحدًا فهما أختان لأب وأم من الرضاعة وإن كان زوجها مختلفًا عند الإرضاعين فهما أختان لأم، وإن كان تحت الرجل امرأتان لكل واحدة لبن منه فأرضعت كل واحدة منهما صبية فهما أختان لأب من الرضاعة، لأن لبنهما من رجل واحد وعموم قوله تعالى:وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ.

قال الإمام مالك في المدونة الكبرى (3/298):

أرأيت امرأة أبيه من الرضاعة أو امرأة ولده من الرضاعة أهما في التحريم بمنزلة امرأة الأب من النسب وامرأة الابن من النسب في قول مالك؟ قال نعم… وساق أحاديث الباب للدلالة على قوله.

قال الماوردي في الحاوي (9/198 199):

بعد أن ساق أحاديث الباب… قال: وجب إجراء الرضاع في التحريم على حكم النسب، فيحرم سبع كما يحرم بالنسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.

وبيان ذلك أن المرأة إذا أرضعت ولدًا بلبن من زوج فالولد المرضع ابنًا لها وللزوج، لأن اللبن حادث عنها بسبب ينتسب إلى الزوج فاقتضى أن يكون المرضع ابنًا لها كالمولود منهما، وإذا كان كذلك كانت المرضعة أمًا له وكان أمهاتها جداته من أم وأباؤها أجداده من أم وبناتها أخواته من أم وأخوتها أخواله من أم وأخواتها خالاته من أم، وكان الزوج أبًا له وآباؤه أجداده من أب وأمهاته جدّاته من أب وبنوه أخوته من أب وإخوته أعمامه وأخواته عماته، كذلك على ترتيب الأنساب، فيكون على ما ذكرنا من الأحكام فتصير المحرمات بالرضاع سبعًا كما كان المحرمات بالأنساب سبعًا ويتفرع عليهن من ذكرنا من المتفرعات على المناسبات.

قال ابن قدامة  في  المغني (6/401):

كل امرأة حرمت من النسب حرم مثلها من الرضاع وهن الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت على الوجه الذي شرحناه في النسب لقول النبي r… وساق حديث الباب.

قال الخرقي: ولبن الفحل محرم.

قال ابن قدامة: معناه أن المرأة إذا أرضعت طفلاً بلبن ثابت من وطء رجل حُرم الطفل على الرجل وأقاربه كما يحرم ولده من النسب، لأن اللبن من الرجل كما هو من المرأة فيصير الطفل ولد الرجل والرجل أباه، وأولاد الرجل إخوته سواء كانوا من تلك المرأة أو من غيرها. وإخوة الرجل وأخوته أعمام الطفل وعماته وآباؤه وأمهاته أجداده وجداته.

قال أحمد: لبن الفحل أن يكون للرجل امرأتان فترضع هذه صبية وهذه صبيًا لا يزوج هذا من هذا، وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية والأخرى غلامًا، فقال: لا، اللقاح واحد.

قال الترمذي: هذا تفسير لبن الفحل وممن قال بتحريمه علي وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن والشعبي والقاسم وعروة ومالك والثوري والأوزعي والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي.

قال ابن عبد البر: وإليه ذهب فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام وجماعة أهل الحديث.

قال ابن حزم في  المحلى (9/131):

قال أبو محمد ابن حزم: وكل ما حرم من الأنساب والحرم التي ذكرنا([1]) فإنه يحرم بالرضاع… وذكر تفصيل المسألة كما نقلنا عن أهل العلم.

تنبيه:

قال الإمام النووي في شرح مسلم شرح مسلم (5/274):

هذه الأحاديث متفقة على ثبوت حرمة الرضاع وأجمعت الأمة على ثبوتها بين الرضيع والمرضعة… إلى أن قال ولا يترتب عليه أحكام الأمومة من كل وجه، فلا يتوارثان ولا يجب على واحد منهما نفقة الآخر ولا يعتق عليه بالملك، ولا ترد شهادته لها ولا يعقل عنها ولا يسقط عنها القصاص بقتله، فهما كالأجنبين في هذه الأحكام.

القدر الذي يثبت به حكم الرضاع:

تنازع العلماء في القدر الذي يثبت به حكم الرضاع على

القول الأول:

 فذهب أبو حنيفة ومالك والإمام أحمد  في قول إلى أنه يثبت برضعة واحدة.

 وحجتهم في ذلك:

قول الله تعالى: أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ.

القول الثاني:

ذهب الشافعي والإمام أحمد والشوكاني وابن حزم إلى أن القدر الذي يثبت به حكم الرضاع خمس رضعات معلومات.

وحجتهم في ذلك:

– عن عائشة «أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ  وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ»- أخرجه مسلم (1452).

القول الثالث:

ذهب داود الظاهري وأحمد في رواية إلى أن القدر الذي يثبت به الحكم هو ثلاث رضعات.

 وحجتهم في ذلك:

1- عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت: قَالَ رَسُولُ اللهِ : وَقَالَ سُوَيْدٌ وَزُهَيْرٌ: إِنَّ النَّبِيَّ  قَالَ: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَان»- أخرجه مسلم (1450).

2- وعن أم الفضل، قالت: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللهِ  وَهُوَ فِي بَيْتِي، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللهِ: إِنِّي كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى فَزَعَمَتْ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتْ امْرَأَتِي الْحُدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ : لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» أخرجه مسلم (1451).

الإملاجة: وهي المصة، يقال: ملج الصبي أمه وأملجته – مسلم بشرح النووي (5/284).

أقوال أهل العلم في ذلك:

قال الشافعي في الأم (5/53):

ولو أرضعت امرأة صبيًا أربع رضعات ثم حلب منها لبن ثم ماتت فأوجره الصبي بعد موتها كان ابنها، كما يكون ابنها لو أرضعته خمسًا في الحياة.

جاء في شرح المهذب (17/315):

أما في قدر ما يحرم، فالمذهب عندنا اعتبار شرطين:

أحدهما: خمس رضعات لحديث عائشة… ثم حديث الباب، وموضع الدليل أنها أثبتت أن العشر نسخن بخمس، فلو تعلق التحريم بما دون الخمس لكان ذلك نسخا للخمس ولا يقبل على هذا خبر واحد ولا قياس، لأنه لا ينسخ بها…

الشرط الثاني: أن يكون في الحولين، فإن كان خارجًا عنهما لم يحرم لقوله تعالى:حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ[البقرة: 233]، وليس بعد التمام والكمال شيء… إلى أن قال:

وقال داود الظاهري: لا يحرم إلا بثلاث رضعات واحتج بقول رسول الله : «لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَانِ» أخرجه مسلم، وهو مروي عن عائشة وابن الزبير، وبه قال أحمد واسحق وأبو ثور وأبو عبيد، وهو تمسك بدليل الخطاب.

قال الزرقاني في شرح الموطأ (3/285):

عن عبد الله بن عباس أنه كان يقول: ما كان في الحولين وإن كان مصة واحدة فهو يحرم تمسكًا بعموم الأحاديث وعليه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة كعلي وابن مسعود وابن عمر ومالك وأبي حنيفة والأوزاعي والثوري وهو مشهور مذهب أحمد، وتمسكوا أيضًا بقوله تعالىوَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ[النساء: 23].

قال الشوكاني في شرح منتقى الأخبار (6/370)

بعد أن حكى أقوال أهل العلم في هذا الباب: فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس، وأما حديث: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضعَة ُوالرَّضْعَتَان»، وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول، وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها، فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم، كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم، فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ: «لَا يُحَرِّمُ إِلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ أَوْ خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ» كما ذكره المصنف وهذا مفهوم حصر وهو أولى من مفهوم العدد، وأيضًا قد ذهب علماء البيان كالزمخشري إلى أن الإخبار بالجملة الفعلية المضارعة يفيد الحصر والإخبار عن الخمس الرضعات بلفظ «يحرمن» كذلك، ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجه تساقطهما وحمل ذلك المطلق على الخمس لا على ما دونها إلا أن يدل عليه دليل ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله: «لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَانِ» والمفروض أنه قد سقط.

قال ابن حزم في  المحلى (10/189):

ولا يحرم من الرضاع إلا خمس رضعات، تقطع كل رضعة من الأخرى.

تعقيب وترجيح:

والذي أختاره في ذلك وأرجحه بعد عرض أقوال أهل العلم هو ما ذهب إليه الشافعي وأحمد -في أحد قوليه- وابن حزم وموافقوهم من أن القدر الذي يثبت به حكم الرضاع هو خمس رضعات، وذلك لأن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهو صحيح وصريح في نسخ العشر رضعات إلى خمس، أيضًا منطوق الحديث أن الخمس يحرمن ومفهوم الحديث أن ما دون الخمس لا يحرمن، فاتفق منطوق الحديث مع مفهومه ولله الحمد، أما المعارضين فحجتهم مفهوم الآية والحديث، ولا يخفى أن المنطوق إذا تعارض مع المفهوم أخذ بالمنطوق كما تقرر ذلك في الأصول، والله أعلم.

مجلة التوحيد- المقالة الثانية والأربعون  من فقه المرأة

   

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

.

مشاركة :
القائمة