fbpx
أحدث المقالات :

>> المقال السابع والعشرون: إذا أصبحت المرأة جُنبًا والأحكام المترتبة على الجماع في نهار رمضان

 

فقه المرأة

باب الصيام – المقالة السابعة والعشرون

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

أما بعد:

 

     ذكرنا في المقالة السابقة ما جاء في صوم رجب، وحكم صيام النصف الثاني من شعبان، وحكم صوم يوم الشك، ونستكمل في هذه الحلقة أحكام الصيام سائلين الله عز وجل أن يتقبل جهد المقل وأن ينفع به المسلمين.

 

أولًا: إذا أصبحت المرأة جنبًا صح صومها.

 

 والدليل على ذلك ما يأتي:

 

1- عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما أن رسول الله r كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم- أخرجه البخاري (1926)، ومسلم (1109).

 

2- عن أبي بكر t قال: سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة فسألهما عبد الرحمن عن ذلك، قال فكلتاهما قالت: كان النبي  يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم، قال: فانطلقنا حتى دخلنا على مروان فذكر ذلك له عبد الرحمن، فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددت عليه ما يقول: قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كله. قال: فذكر له عبد الرحمن. فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم، قال: هما أعلم.  ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل. ولم أسمعه من النبي . قال: فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك. قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال كذلك. كان يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم- أخرجه مسلم (75- 1109).

 

ونذكر بعضًا من أقوال العلماء في المسألة:

 

قال الشافعي في الأم (2/145)

 

عن عائشة أنها قالت: كان النبي  يدركه الصبح وهو جنب، فيغتسل ويصوم يومه.

 

قال الشافعي: فأخذنا نحن بحديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي  دون ما روى أبو هريرة عن رجل عن النبي  لمعانٍ، منها أنهما زوجتاه وزوجتاه أعلم بهذا من رجل إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا.

 

قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/167)

 

بعد أن ذكر جملة من الأحاديث تدل على صحة صوم من أصبح جنبًا ولم يغتسل إلا بعد الفجر.

 

قال: فلما تواترت الآثار بما ذكرنا عن رسول الله r لم يجز لنا خلاف ذلك إلى غيره.

 

جاء في عون المعبود (7/ 11)

 

أما حكم المسألة فقد أجمع أهل هذه الأعصار على صحة صوم الجنب سواء كان من احتلام أو جماع وبه قال جماهير الصحابة والتابعين.

 

ثانيًا: هل تجب الكفارة على المرأة إذا جامعها زوجها في نهار رمضان:

 

عن أبي هريرة  قال: «بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما لك، قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال رسول الله : هل تجد رقبة تعتقها؟، قال: لا. قال:فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا فقال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟، قال: لا. قال: فمكث النبي  فبينا نحن على ذلك أتى النبي  بعرق فيها تمر، والعرق المكتل، قال: أين السائل؟ فقال: أنا. قال: خذها فتصدق به، فقال الرجل: أعلى أفقر مني يا رسول الله ؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله  حتى بدت أنيابه ثم قال: أطعمه أهلك» أخرجه البخاري (1936)، ومسلم (1111).

 

تنازع الفقهاء في هذه المسألة، فذهبت طائفة أن الكفارة تقع على الرجل والمرأة فيلزم كل واحد منهما كفارة، أما وقوعها على الرجل فلحديث أبي هريرة المتقدم.

 

وأما المرأة فلأنها أفسدت صومها فحكمها حكم الرجل، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وأحد الروايتين عن أحمد، وابن المنذر من الشافعية وغيرهم.

 

وذهبت طائفة إلى أن الكفارة تقع على الرجل وحده؛ لأن النبي  أمر الأعرابي بالكفارة، ولم يأمر امرأته، وهذا هو المشهور عن الشافعي ورواية عن أحمد وأهل الظاهر.

 

ونذكر أقوال أهل العلم:

 

أولا: من قال بوجوب الكفارة على الرجل والمرأة:

 

جاء في مواهب الجليل (2/512):

 

إن أكره امرأته في نهار رمضان فوطئها فعليهما القضاء، وعليه عنها الكفارة.

 

قال مالك: إن وطئها في نهار رمضان أيامًا فعليه لكل يوم كفارة، وإن وطئها في يوم مرتين فعليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما أفسد يومًا واحدًا.

 

قال: وإن طاوعته امرأته في الوطء أول النهار وحاضت في آخره فلابد لها من القضاء والكفارة.

 

جاء في بدائع الصنائع (2/147، 148):

 

أن النص وإن ورد في الرجل لكنه معلول بمعنى يوجد فيهما وهو إفساد صوم رمضان بإفطار كامل حرام محض متعمدا فتجب الكفارة عليها بدلالة النص، وبه تبين أنه لا سبيل إلى التحمل لأن الكفارة إنما وجبت عليها بفعلها، وهو إفساد الصوم اهـ.

 

قال صاحب المغني (3/88):

 

ويفسد صوم المرأة بالجماع بغير خلاف نعلمه في المذهب… وهل يلزمها الكفارة؟ على روايتين:

 

إحداهما: يلزمها، وهو اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر، ولأنها هتكت صوم رمضان بالجماع، فوجبت عليها الكفارة كالرجل.

 

والثانية: لا كفارة عليها، قال أبو داود: سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟، قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة، وهذا قول الحسن، وللشافعي قولان كالروايتين.

 

قال (ص: 89): وإن أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة وعليها القضاء.

 

ثانيا: من قال بوجوب الكفارة على الرجل وحده:

 

قال الشافعي في الأم (2/135):

 

ولو جامع بالغة كانت الكفارة لا يزاد عليها على الرجل وإذا كفر أجزأ عنه وعن امرأته.

 

قال الصنعاني في سبل السلام (2/ 578):

 

وأما المرأة التي جامعها فقد استدل بهذا الحديث أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة وأنها لا تجب على الزوجة وهو الأصح من قولي الشافعي وبه قال الأوزاعي.

 

تعقيب وترجيح:

 

والذي أرجحه بعد ذكر هذه الأقوال والمذاهب هو ما ذهب إليه الإمام مالك وأبو حنيفة وهي إحدى الروايتين عن أحمد أن الكفارة تقع على الرجل والمرأة فتلزم كل واحد منهما كفارة، لحديث أبي هريرة المتقدم، أما المرأة فلأنها أفسدت صومها بفعلها فحكمها حكم الرجل.  

 

وما ذهب إليه الجمهور من أن المرأة إذا أكرهت فليس عليها كفارة هو الصواب، لقول رسول الله r : «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه»صحيح سنن ابن ماجه (2045) وغيره، والله تعالى أعلم

 

ثالثًا: هل يجب ترتيب الكفارة كما وردت في الحديث؟

 

ذهب جمهور العلماء إلى وجوب ترتيب الكفارة، فعليه العتق أولا فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينا.

 

 

 

قال الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/116):

 

«إن النبي  قال له: أتجد رقبة؟ قال: لا، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: فأطعم ستين مسكينا»، فكان النبي  إنما أمره بكل صنف من هذه الأصناف الثلاثة لما لم يكن واجدًا للصنف الذي ذكره له قبله.

 

قال الحافظ في الفتح (4/198):

 

 وفي الحديث أيضا أن الكفارة بالخصال الثلاثة على الترتيب المذكور.

 

قال ابن العربي: لأن النبي  نقله من أمر بعد عدمه لأمر آخر وليس هذا شأن التخير.

 

قال النووي في شرح مسلم (4/244):

 

قوله: (أمر رجلا أفطر في رمضان أن يعتق رقبة أو يصوم شهرين أو يطعم ستين مسكينا، لفظ (أو) هنا للتقسيم لا للتخيير، تقديره: يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عنهما.

 

وهذا ما ذهب إليه الحنابلة في المغني (3/91)، والشافعي في الأم (3/134)، وابن حزم في المحلى (4/318) وغيرهم.

رابعًا: يجب على المجامع في نهار رمضان قضاء اليوم الذي جامع فيه مع الكفارة:

 

بدليل ما روي أن رجلا جاء إلى النبي ؛ وقد وقع بأهله في رمضان…. فذكر حديث أبي هريرة ….. وقال في آخره: «فصم يوما واستغفر الله»صحيح أبي داود (2393)، وابن خزيمة (1954)، والبيهقي (4/246)، والإرواء (4/90)، قال الحافظ في التلخيص (2/410)، هذه الزيادة غير محفوظة، وأعلها ابن القيم بالإرسال – عون المعبود (7/ 19).

 

ذهب أكثر أهل العلم إلى وجوب قضاء اليوم الذي أفسده بالجماع مع الكفارة؛ لأن من أفسد صيام يوم فعليه القضاء أما الكفارة فهي زجرٌ له للكبيرة التي ارتكبها وهي الجماع في نهار رمضان، وأيضا استدل لقولهم بحديث الباب وهذا مذهب مالك وأحمد وأبي حنيفة، والشافعي في أظهر أقواله وغيرهم.

 

 

 

أقوال أهل العلم:

قال الكاساني في بدائع الصنائع (2/148):

 

يجب مع الكفارة القضاء عند عامة العلماء، وقال الأوزاعي: إن كفر بالصوم فلا قضاء عليه وزعم أن الصومين يتداخلان، وهذا غير سديد لأن صوم شهرين يجب تكفيرا وزجرا عن جناية الإفساد أو رفعا لذنب الإفساد، وصوم القضاء يجب جبرا للفائت، فكل واحد منهما شرع لغير ما شرع له الآخر فلا يسقط صوم القضاء بصوم شهرين كما لا يسقط بالإعتاق.

 

خامسًا: إذا تكرر الجماع هل تتكرر الكفارة؟

 

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجماع إذا تكرر؛ تتكرر الكفارة؛ لأن كل يوم عبادة مستقلة. وهذا مذهب الشافعي وأحمد ومالك وداود الظاهري.

 

وقال الحنفية: ليس عليه إلا كفارة واحدة وإن تكرر الجماع وعليه قضاء الأيام التي جامع فيها، وحجتهم: أن حرمة الشهر واحدة ولا تتجدد فيجب عليه أن يكفر مرة واحدة، وإن تكرر الجماع، فإن كفر ثم أفطر بجماع فعليه كفارة أخرى.

 

وها هي أقوال أهل العلم في ذلك:

 

جاء في المجموع (6/371):

 

قد ذكرنا أن مذهبنا أنه يجب لكل يوم كفارة، سواء كفر عن الأول أم لا، وبه قال مالك وداود وأحمد في أصح الروايتين عنه.

 

قال الحطاب في مواهب الجليل (2/ 512):

 

قال مالك: إن وطئها في نهار رمضان أيامًا فعليه لكل يوم كفارة وإن وطئها في يوم مرتين؛ فعليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما أفسد يوما واحدًا.

 

قال المرداوي في الإنصاف (3/287) بتصرف:

 

قوله: (وإن جامع في يومين ولم يكفر، فهل يلزمه كفارة أو كفارتان؟) على وجهين:

 

أحدهما: يلزمه كفارتان وهو المذهب وحكاه ابن عبد البر عن الإمام أحمد – رحمه الله -، كيومين في رمضانين.

 

الوجه الثاني: لا يلزمه إلا كفارة واحدة كالحدود وهو ظاهر كلام الخرقي.

 

جاء في المبسوط (3/80):

 

وإن جامعها ثانيا في الشهر فعليه كفارة واحدة عندنا، فإن أفطر في يوم وكفر ثم أفطر في يوم آخر فعليه كفارة أخرى.

 

قال: إن كمال الجناية باعتبار حرمة الصوم والشهر جميعًا حتى أن الفطر في قضاء رمضان لا يوجب الكفارة لانعدام حرمة الشهر وباعتبار تجدد الصوم لا تتجدد حرمة الشهر.

 

تعقيب وترجيح

 

أرى – والله تعالى أعلم – أن الصواب ما ذهب إليه الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد من وجوب كفارة لكل يوم جامع فيه، لأن كل يوم مستقل عن الآخر كرمضانين وكالحجتين، وبالله التوفيق.

 

سادسًا: هل تجب الكفارة لمن جامع وهو صائم في غير رمضان؟

 

قال ابن قدامة في المغني (3/90):

 

لا تجب الكفارة بالفطر في غير رمضان في قول أهل العلم وجمهور الفقهاء، وقال قتادة: تجب على من وطئ في قضاء رمضان لأنه عبادة تجب الكفارة في أدائها، فوجبت في قضائها كالحج.

 

ولنا: أنه جامع في غير رمضان فلم تلزمه الكفارة.

 

وفي الأم (2/136):

 

قال الشافعي: وإن جامع في قضاء رمضان أو صوم كفارة أو نذر، فقد أفسد صومه ولا كفارة عليه، ولكن يقضي يوما مكان يومه الذي جامع فيه.

 

جاء في الشرح الممتع (6/413):

 

قوله: (والكفارة) احترامًا للزمن وبناء على ذلك لو كان هذا في قضاء رمضان فالقضاء واجب وعليه القضاء لهذا اليوم الذي جامع فيه وليس عليه كفارة، لأنه خارج شهر رمضان، بخلاف ما إذا كان في الشهر فعليه الكفارة.

 

 

 

مجلة التوحيد- المقالة السابعة والعشرون  من فقه المرأة                  

 

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 

 

 

الموقع الرسمي لأم تميم

 

www.omtameem.com

 

 

مشاركة :
القائمة