fbpx
أحدث المقالات :

>> المقال السادس والعشرون: حكم صوم رجب والنصف الثاني من شعبان و يوم الشك

فقه المرأة

باب الصيام – المقالة السادسة والعشرون

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

     شرعنا في المقالة السابقة في  باب الصيام، وذكرنا تعريفه وفضله، وحكم الحامل أو المرضع إذا لم يطيقا الصوم أو خافتا على أنفسهما أو على أولادهما، والحكم إذا وقع الحيض أو النفاس قبل غروب الشمس ولو بلحظات، وكذا الحكم إذا انقطع دم الحيض أو النفاس ونوت المرأة الصوم قبل طلوع الفجر، ونستكمل في هذه الحلقة ما بدأناه سائلين الله عز وجل أن يتقبل جهد المقل وأن ينفع به المسلمين.

أولًا: ما جاء في صوم رجب:

لم يرد حديث صحيح مرفوع عن النبي  في استحباب صوم رجب وقد كره جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم تخصيص رجب بالصوم، لأنه شهر كان يعظم في الجاهلية، ولا يجوز أيضًا ما يفعله العامة اليوم من تخصيص أول يوم في رجب أو أول خميس أو أول ثلاثة أيام منه بالصوم أو تخصيص يوم السابع والعشرين منه بالقيام والصيام وكل ذلك من البدع المحدثة التي تخالف هدي رسول الله  وأصحابه.

بعض الآثار التي جاءت عن الصحابة في كراهة تخصيص رجب بالصوم:

1- عن خرشة بن الحر قال: «رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية»- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (9758).

2- عن محمد بن زيد، قال: «كان ابن عمر إذا رأى الناس وما يعدون لرجب كره ذلك»- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (2/346).

3- عن عطاء بن أبي رباح، قال: «كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله، لأن لا يتخذ عيدًا»- أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7884).

أقوال أهل العلم في ذلك:

قال ابن القيم في المنار المنيف (ص:76، 77) بتصرف:

أحاديث صلاة الرغائب ليلة أول جمعة من رجب كلها كذب مختلق على رسول الله .

وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالي فيه، فهو كذب مفترى، كحديث: «من صام يومًا من رجب وصلى ركعتين يقرأ في أول ركعة مائة مرة (آية الكرسي) وفي الثانية مائة مرة (قل هو الله أحد) لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة».

وحديث: من صام رجب كذا وكذا… الجميع كذب مختلق.

قال الحافظ ابن حجر في تبيين العجب فيما ورد في فضل رجب (ص:23):

لم يرد في فضل شهر رجب ولا في صيامه ولا في صيام شيء منه – معين ولا في قيام ليلة مخصوصة فيه – حديث صحيح يصلح للحجة، وقد سبقني إلى الجزم بذلك الإمام أبو إسماعيل الهروي الحافظ، روينا عنه بإسناد صحيح وكذلك رويناه عن غيره.

وفي لطائف المعارف (ص:160):

قال ابن رجب: فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي  ولا عن أصحابه.

جاء في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (25/ 291):

وأما صوم رجب بخصوصه، فأحاديثه كلها ضعيفة بل موضوعة لا يعتمد أهل العلم على شيء منها، وليست من الضعيف الذي يروى في الفضائل بل عامتها من الموضوعات المكذوبات.

قال الشوكاني في السيل الجرار (2/78):

لم يرد في رجب على الخصوص سنة صحيحة ولا حسنة ولا ضعيفة ضعفًا خفيفًا، بل جميع ما روي فيه على الخصوص إما موضوع مكذوب أو ضعيف شديد الضعف، وغاية ما يصلح للتمسك به في استحباب صومه ما ورد في حديث الرجل الباهلي أن النبي  قال له: «صم أشهر الحرم»- ضعيف أبي داود (2428).

وهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، ولكنه لا يدل على شهر رجب على الخصوص كما يفيده تنصيص المصنف عليه وكان الأولى له أن يقول: ويستحب صوم الأشهر الحرم سيما المحرم وذلك لورود الدليل الدال على استحباب صومه على الخصوص كما ثبت في الصحيحين.

تنبيه:

ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز صوم أيام من رجب ولا يكمله كله كما يكمل رمضان، وهذا إن لم يصمه تعظيمًا له كما كانوا يفعلون في الجاهلية أو معتقدا أنه أفضل من غيره من الأشهر أو يخص منه أيامًا معينة بالصيام والقيام معتقدا أنها سنة، فإذا تجنب كل هذا وأراد أن يصوم من رجب أيامًا كالاثنين والخميس أو أن يصوم يومًا ويفطر يومًا أو صيام الأيام البيض ونحو ذلك فلا مانع لعموم الأدلة الدالة على فضل صوم التطوع، والله تعالى أعلم.

قال الحافظ في تبيين العجب (ص:70، 71):

بعد أن ذكر أثر عمر  كم تقدم أول المسألة وفيه: «أنه  كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان…..» قال: فهذا النهي منصرف إلى من يصومه معظمًا لأمر الجاهلية، أما إن صامه لقصد الصوم في الجملة من غير أن يجعله حتمًا أو يخص منه أيامًا معينة يواظب على صومها أو ليال معينة يواظب على قيامها بحيث يظن أنها سنة، فهذا من فعله من السلامة مما استثني فلا بأس به، فإن خص ذلك أو جعله حتمًا فهذا محظور.

قال ابن قدامة في المغني (3/ 118):

ويكره إفراد رجب بالصوم. قال أحمد: وإن صامه رجل، أفطر فيه يومًا أو أيامًا بقدر ما لا يصومه كله، ووجه ذلك ما روى أحمد بإسناده…. وساق أثر عمر وغيره كما تقدم.

قال أحمد: من كان يصوم السنة صامه وإلا فلا يصومه متواليًا يفطر فيه، ولا يشبه برمضان.

ثانيًا: هل يجوز صيام النصف الثاني من شعبان؟

1- عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان رسول الله  يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله r استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان» – أخرجه البخاري (1969)، ومسلم (1154).

2- عن أبي سلمة أن عائشة رضي الله عنها حدثته، قالت: لم يكن النبي  يصوم شهرًا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله وكان يقول: «خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا» وأحب الصلاة إلى النبي ما دووم عليه وإن قلت وكان إذا صلى صلاة داوم عليها – أخرجه البخاري (1970)، ومسلم (782).

3- عن عمران بن حصين أن رسول الله r قال له أو لآخر: «أصمت من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت فصم يومين» – أخرجه البخاري (1983)، ومسلم (1162).

سرر: سرة الشهر هي وسطه – مسلم بشرح النووي (4/307).

وفي رواية لمسلم: «ولم أره صائمًا من شهر قط أكثر من صيامه من شعبان، كان يصوم شعبان كله، كان يصوم شعبان إلا قليلاً»- أخرجه مسلم (176- 1154).

4- عن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» -أخرجه أبو داود (2337)، والترمذي (738)- قال الحافظ في الفتح (4/153)، قال أحمد وابن معين إنه منكر.

ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز صيام النصف الثاني من شعبان واستدل لقولهم بأحاديث الباب، وضعفوا حديث النهي وحمل بعضهم الحديث على من يضعفه الصيام فلا يصوم بعد النصف الثاني من شعبان ليقوى على صيام رمضان، وهذا مذهب الحنابلة والمالكية والحنفية.

وذهب فريق إلى كراهة صيام النصف الثاني من شعبان واستدل لقولهم بحديث أبي هريرة المتقدم وفيه النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، وهذا مذهب الشافعية.

أقوال الفقهاء في المسألة:

جاء في الاستذكار (3/371):

قال أبو عمر: قال يحيى بن معين: كانوا ينفون حديث العلاء بن عبد الرحمن، وقد روي عن النبي  أنه صام شعبان كله وهذه حجة لهم، ومن حديث عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله  أكثر صياما منه في شعبان، كان يصوم إلا قليلا، بل كان يصومه كله»، رواه أحمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها، وروى الثوري عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: «ما رأيت رسول الله  يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»- صحيح الترمذي (736)، وصحيح ابن ماجه (1648)، وأحمد في المسند (6/301).

قال عبد الله بن المبارك: جائز في كلام العرب أن يقال: صام الشهر كله إذا صام أكثره إن شاء الله تعالى.

قال ابن رجب في لطائف المعارف (ص: 186):

قال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، ورده بحديث: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين» – أخرجه البخاري (1914)، ومسلم (1082).

فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من يومين.

قال الأثرم:

الأحاديث كلها تخالفه يشير إلى أحاديث صيام النبي  شعبان كله ووصله برمضان ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذا مخالفًا للأحاديث الصحيحة.

جاء في شرح معاني الآثار (2/143):

أن النهي الذي كان من رسول الله  في حديث أبي هريرة  الذي ذكرناه في أول هذا الباب لم يكن إلا على الإشفاق منه على صوَّام رمضان، لا لمعنى غير ذلك.

وكذلك نأمر من كان الصوم بقرب رمضان يدخله به ضعف يمنعه من صوم رمضان أن لا يصوم حتى يصوم رمضان، لأن صوم رمضان أولى به من صوم ما ليس عليه صوم، فهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يحمل عليه معنى ذلك الحديث حتى لا يضاد غيره من هذه الأحاديث.

قال النووي في شرح المهذب (6/453، 454):

أما إذا صام بعد نصف شعبان غير يوم الشك ففيه وجهان: أصحهما وبه قطع المصنف وغيره من المحققين لا يجوز للحديث السابق.

والثاني: يجوز ويكره، وبه قطع المتولي وأشار المصنف في التنبيه إلى اختياره، وأجاب المتولي عن الحديث السابق: «إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان» بجوابين:

أحدهما: أن هذا الحديث ليس بثابت عند أهل الحديث.

والثاني: أنه محمول على من يخاف الضعف بالصوم فيؤمر بالفطر حتى يقوى لصوم رمضان، والصحيح ما ذكره المصنف وموافقوه، والجوابان اللذان ذكرهما المتولي ينازع فيهما.

تعقيب وترجيح:

الذي أرجحه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز الصوم إذا انتصف شعبان، لأن حديث النهي لا ينتهض للاحتجاج به مقابل الأحاديث الصحيحة الثابتة الدالة على جواز ذلك، أما من يجد مشقة في مواصلة شعبان برمضان فالأولى أن لا يكثر الصيام في شعبان ليقوى على صيام رمضان، والله تعالى أعلم.

ثالثًا: صيام يوم الشك:

يوم الشك: هو يوم الثلاثين من شعبان- المجموع (6/370).

1- عن عمار بن ياسر  قال: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم»- صحيح أبي داود (2334)، وابن خزيمة (1914)، والدارمي (1682)، وصححه الألباني في الإرواء (961).

2- عن أبي هريرة  عن النبي  قال: «لا يتقدمن أحدُكُم رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم» -أخرجه البخاري (1914)، ومسلم (1082).

 قال الحافظ في الفتح (4/ 153):

قال العلماء: معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان.

قال الترمذي:

والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان.

جاء في شرح مسلم (4/208):

فيه التصريح بالنهي عن استقبال رمضان بصوم يوم ويومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله، فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام، هذا هو الصحيح من مذهبنا.

قال الخطابي في معالم السنن (2/85):

اختلف الناس في معنى النهي عن صيام يوم الشك، فقال قوم: إنما نهي عن صيامه إذا نوى به أن يكون عن رمضان، فأما من نوى به صوم يوم من شعبان فهو جائز، وهذا قول مالك بن أنس والأوزاعي وأصحاب الرأي، ورخص فيه على هذا الوجه أحمد وإسحاق.

وقالت طائفة: لا يصام ذلك اليوم عن فرض ولا تطوع للنهي فيه، وليقع الفصل بذلك بين شعبان ورمضان، وهكذا قال عكرمة وروي معناه عن أبي هريرة وابن عباس.

وكانت عائشة تقول: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلي من أن أفطر يومًا من رمضان، وكان مذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب صوم يوم الشك إذا كان من ليله في السماء سحاب أو فترة فإن كان صحوا ولم ير الناس الهلال أفطر مع الناس، وإليه ذهب أحمد بن حنبل.

وقال الشافعي: إن وافق يوم الشك يومًا كان يصومه صام وإلا لم يصمه وهو أن يكون من عادته أن يصوم صوم داود فإن وافق يوم صومه صامه، وإن وافق يوم فطره لم يصمه.

تعقيب وترجيح:

أرى – والله تعالى أعلم – أن الصواب مع من ذهب من أهل العلم إلى تحريم صيام يوم الشك ولا أن يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق صوم كان يصومه فليصمه، لأن النهي جاء صريحا في الحديث الصحيح ومخالفة رسول الله  نوع من التعدي لحدود الله، وبالله التوفيق.

 

مجلة التوحيد- المقالة السادسة والعشرون  من فقه المرأة                  

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

مشاركة :
القائمة