fbpx
أحدث المقالات :

>> المقال الثالث عشر_أحوال الاستحاضة (المستحاضة المعتادة)

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة الثالثة عشر

     بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلمِ

أما بعد:

     فقد ذكرنا في المقالة السابقة أن للمستحاضة أحوال ثلاثة، إما أن تكون مبتدأة أو معتادة أو متحيرة، وذكرنا المبتدأة وما يتعلق بها من أحكام،  ونشرع في هذه الحلقة بإذن الله تعالى-  في ذكر المعتادة وما يتعلق بها من أحكام، سائلين الله جل وعلا أن ينفع بها، وأن يجعلها في ميزان حسناتنا إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

     الحالة الثانية: المعتادة: وهي التي لها عادة معروفة.

     اختلف الفقهاء في المستحاضة المعتادة على النحو التالي:

     القول الأول:

ذهب الحنفية إلى أنه إذا كان للمرأة عادة معروفة كستة أيام أو سبعة، ورأت الدم زيادة على عادتها، واستمر الدم وجازو أكثر الحيض وهو – عشرة أيام – فهذه الزيادة تعد استحاضة، وإن انقطع قبل تمام العشرة فهو حيض؛ لأنه أمكن جعله حيضًا- المبسوط للسرخسي (3/178).

     واختلفوا هل تترك الصلاة والصوم أم لا؟ على قولين:

     الأول: تؤمر بالاغتسال وتصلي وتصوم، لأن  هذه الزيادة مترددة بين الحيض والاستحاضة فلا تترك الصلاة مع التردد، ولأن هذه الزيادة لا تكون حيضًا إلا بشرط وهو الانقطاع قبل أن يجاوز الدم عشرة أيام، وذلك أمر مشكوك فيه فلا تترك الصلاة لأمر مشكوك فيه.

     الثاني: أنها لا تؤمر بالاغتسال ولا بالصلاة؛ لأنها حائض بيقين وفي خروجها من الحيض شك، فإن جاوز العشرة أدركت أن الأيام التي جلستها بعد أيام عادتها كانت استحاضة، فحينئذ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلوات بعد أيام عادتها- البناية شرح الهداية (1/664).

     واستدلوا بما روي عن عدي بن ثابت، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل، وتتوضأ لكل صلاة، وتصوم، وتصلي»- أخرجه أبو داود (297) والترمذي (126) وابن ماجه (625)، وقال الألباني: حديث صحيح- مشكاة المصابيح (560).

     القول الثاني:

ذهب  المالكية إلى أنه إن تمادى بالمرأة  دم حيض ففي ذلك خمسة أقوال:

     أحدها:

أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام، ثم تكون مستحاضة، تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة ويأتيها زوجها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك.

     الثاني:

أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابًا، وتصلي احتياطًا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة، إلى تمام الخمسة عشر يومًا، فإذا بلغت الخمسة عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهو رواية ابن وهب عن مالك.

     الثالث:

أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يومًا، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة.

     الرابع:

أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة من غير استظهار.

     الخامس:

أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يومًا علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت وما صلت، وتغتسل عند انقطاعه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يومًا علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه- المقدمات لابن رشد (1/131).

     القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أن المعتادة إما أن تكون مميزة أو لا.

     فإن كانت مميزة: فحكمها أنها تعمل بالتمييز لا بالعادة- الحاوي الكبير (1/390).

     واعتبار التمييز بثلاثة شروط:

     أحدها: أن يكون الدم مختلفًا، فبعضه أسود ثخين وبعضه أحمر رقيق.

     الثاني: أن يكون سواد الدم قدرًا يكون حيضًا، وهو أن يبلغ يومًا وليلة ولا يتجاوز خمسة عشر،  فإن قصر عن يوم وليلة أو تجاوز خمسة عشر فهو دم استحاضة.

     الثالث: أن يتجاوز الدم الأحمر خمسة عشر يومًا ليدخل الاستحاضة في الحيض، فإن انقطع في خمسة عشر يومًا فكلا الدمين سواده وحمرته حيض – الحاوي الكبير (1/391).

     واستدلوا بحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبى ﷺ: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ»- صحيح سنن أبي داود (286)، والنسائي (363)، والإرواء (204).

     حيث ردها النبي إلى تمييزها واعتبار لون الدم.

     ولأن الحيض متعلق بدم وأيام، فوجب أن يقدم الدم على الأيام، كما في العدة تقدم الأقراء على الشهور.

     ولأن ما خرج من مخرج واحد إذا التبس وأمكن تمييزه بصفاته كان التمييز بصفاته أولى كالمني والمذي- الحاوي الكبير (1/390).

     وإن كانت معتادة غير مميزة بأن سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدرًا ووقتًا لكن فقدت شرط التمييز، فحكمها: أنها ترد إلى عادتها قدرًا ووقتًا- مغني المحتاج (1/287).

     واستدلوا: بما روي عن أم سلمة أنها قالت: إن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمرها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيض قبل أن يكون بها الدم الذي كان وقدرهن من الشهر، فلتترك الصلاة قدر ذلك، فإذا جاوزت ذلك فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوبها ولتصل»- أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (23/293)، والدارقطني (844)، والبيهقي في السنن الكبرى (1579)، وقال الألباني حديث صحيح- مشكاة المصابيح (559).

     القول الرابع: ذهب الحنابلة إلى أن المعتادة – وهي التي تعرف وقت حيضها وطهرها، لها أحوال:

     الحالة الأولى: أن تكون معتادة لا تمييز لها، وذلك بأن يكون الدم على صفة واحدة لا يتميز بعضه عن بعض، أو لا تستطيع التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فتجلس أيام عادتها فإن انقضت تغتسل وتصلي.

     واستدلوا: بما روي عن عائشة، أن فاطمة بنت أبي حبيش، سألت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: إني أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة، فقال: «لا إن ذلك عرق، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي»- أخرجه البخاري (325)

     وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم. فقال لها: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة “- أخرجه مسلم (334).

     الحالة الثانية: أن تكون معتادة مميزة، فإن اتفقت العادة والتمييز عمل بهما. وإن لم يتفقا ففيه روايتان:

     الرواية الأولى: تقدم العادة على التمييز وهو ظاهر المذهب- المغني لابن قدامة (1/232)

     لحديث أم حبيبة وفيه : «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة “- أخرجه مسلم (334).

     فقد رد النبي صلى الله عليه وسلم هذه المرأة إلى عادتها ولم يستفصل بين كونها مميزة أم لا.

     الرواية الثانية: يقدم التمييز على العادة وهو ظاهر كلام الخرقي- المغني لابن قدامة (1/232)

     لحديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض، فقال لها النبى ﷺ: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ»- صحيح سنن أبي داود (286)، والنسائي (363)، والإرواء (204).

     أقوال العلماء في المسألة

     جاء في المبسوط للسرخسي (3/178):

     اعلم بأن صاحبة العادة المعروفة إذا رأت الدم زيادة على عادتها المعروفة تجعل ذلك حيضًا ما لم يجاوز أكثر الحيض فإن جاوز ردت إلى أيام عادتها فيجعل ذلك حيضها وما سواه استحاضة؛ لأن طبع المرأة لا يكون على صفة واحدة في جميع الأوقات فيزداد حيضها تارة باعتبار قوة طبعها، وينقص أخرى بضعف طبعها، وأمر الحيض مبني على الإمكان فإذا لم تجاوز العشرة فالإمكان قائم في الكل، وإن جاوز العشرة فقد صارت مستحاضة لما رأت زيادة على العشرة.

     جاء في تبيين الحقائق (1/64):

     (ولو زاد الدم على أكثر الحيض والنفاس) (فما زاد على عادتها استحاضة) لما ورد فيه من الأحاديث بأن تدع الصلاة أيام أقرائها وتصلي في غيرها، فعلم أن الزائد على أيام أقرائها استحاضة؛ ولأنا تيقنا بأن عادتها حيض وما فوق العشرة استحاضة وشككنا فيما بين ذلك فألحقناه بما فوق العشرة؛ لأنه يجانسه من حيث إن كل واحد منهما مخالف للمعهود فكان إلحاقه به أولى إذ الأصل الجري على وفاق العادة، ثم قيل إذا مضت عادتها تصلي وتصوم لاحتمال أن يجاوز العشرة فيكون دم استحاضة وقيل تترك؛ لأن الأصل هو الصحة ودم الحيض دم صحة ودم الاستحاضة دم علة وعلى هذا إذا رأت الدم ابتداء قيل لا تترك الصلاة والصوم؛ لأنه يحتمل أن يكون دم استحاضة بالنقصان عن ثلاثة أيام وقيل تترك لما قلنا وهو الصحيح.

     جاء في المقدمات لابن رشد (1/130):

     إن تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك خمسة أقوال: أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة مباحة ويأتيها زوجها، ما لم تر دمًا تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك؛ … والقول الثاني: أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار، ثم تغتسل استحبابًا، وتصلي احتياطا، وتصوم وتقضي الصيام، ولا يطؤها زوجها، ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة، إلى تمام الخمسة عشر يوما. فإذا بلغت الخمسة عشر يوما اغتسلت إيجابا، وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك …والقول الثالث: أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة، والقول الرابع: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة من غير استظهار، وهو قول محمد بن مسلمة، والقول الخامس: أنها تقعد أيامها المعتادة، ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت ولا ما صلت … وتغتسل عند انقطاعه، وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة، وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه، ولم يضره امتناعه من الوطء هذا في المعتادة.

     جاء في مغني المحتاج (1/287):

     المعتادة غير المميزة بأن سبق لها حيض وطهر وهي تعلمهما قدرًا ووقتًا فترد إليهما قدرًا ووقتًا ويحكم للمعتادة المميزة بالتمييز.

     جاء في المغني (1/232):

     القسم الثالث من أقسام المستحاضة: من لها عادة وتمييز وهي من كانت لها عادة فاستحيضت، ودمها متميز بعضه أسود وبعضه أحمر، فإن كان الأسود في زمن العادة فقد اتفقت العادة والتمييز في الدلالة، فيعمل بهما. وإن كان أكثر من العادة أو أقل ويصلح أن يكون حيضًا، ففيه روايتان: إحداهما، يقدم التمييز، فيعمل به، وتدع العادة، وهو ظاهر كلام الخرقي؛ لقوله ” فكانت ممن تميز تركت الصلاة في إقباله “. ولم يفرق بين معتادة وغيرها. واشترط في ردها إلى العادة أن لا يكون دمها متصلًا، وهو ظاهر مذهب الشافعي؛ لأن صفة الدم أمارة قائمة به، والعادة زمان منقض؛ ولأنه خارج يوجب الغسل، فرجع إلى صفته عند الاشتباه كالمني،

وظاهر كلام أحمد اعتبار العادة. وهو قول أكثر الأصحاب.

الراجح

والذي يظهر لي بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم رحجان ما ذهب إليه الشافعية وهو أن المعتادة إن كانت مميزة  تستطيع أن تميز لون دم الحيض وصفته وقدره عن لون دم الاستحاضة فتعمل بالتمييز، فما كان على صفة دم الحيض فهو حيض، وما كان على صفة دم الاستحاضة فهو استحاضة، لقوله لفاطمة بنت أبي حبيش: «إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضَةِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ»،  وإن كانت غير مميزة بأن كانت لا تستطيع تمييز لون دم الحيض عن لون دم الاستحاضة فترد إلى عادتها قدرًا ووقتًا، والله أعلم

مجلة التوحيد- المقالة الثالثة عشر  من فقه المرأة                  

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

مشاركة :
القائمة