fbpx
أحدث المقالات :

>> فقه المرأة_المقال الثامن: أحكام الإحرام والطواف للحائض

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة الثامنة

     بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

     فقد ذكرنا في المقالة السابقة بعض المسائل المتعلقة بالحيض، كحكم دخول الحائض المسجد، وغسل المرأة من المحيض، ونقض الحائض ضفيرتها فى غسل الحيض ونستكمل – بإذن الله  تعالى- ما يتعلق بالحيض من أحكام.

أولًا: إحرام الحائض :

الإحرام: الإحرام مصدر قولك أحرم الرجل إذا دخل في حرمة لا تهتك،  والإحرام : نية الدخول في النسك، وسميت نية الدخول في النسك إحرامًا؛ لأنه إذا نوى الدخول في النسك حرَّم على نفسه ما كان مباحاً قبل الإحرام من الرفث والطيب وحلق الرأس والصيد وغير ذلك- تبيين الحقائق (2/8)، المبدع شرح المقنع (3/107).

 ويجوز للحائض والنفساء الإحرام بالحج والعمرة، والأدلة على ذلك كثيرة منها:

 1- ما جاء في حديث جابر الطويل في مسلم «…. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي…» صحيح مسلم (1218).

والاستثفار: هو أن تشد في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها- مسلم بشرح النووي (4/435).

قال الخطابي في معالم السنن (2/199):

وفي قوله لأسماء وهي نفساء لم تتعل من نفاسها اغتسلي واستثفري دليل على أن من سنة المحرم الاغتسال، وإن الحائض إذا أرادت الإحرام اغتسلت له كالطاهر.

2- عائشة رضى الله عنها أنها قالت «…قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: انْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَفَعَلْت». أخرجه البخاري (1556)، ومسلم (1211).

ثانيًا: طواف الحائض:

إذا حاضت المرأة قبل طواف الإفاضة ماذا تفعل:

     اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:

 القول الأول: الطهارة شرط لصحة الطواف، ومن ثم  فلا يجوز للحائض الطواف حتى تطهر ثم تطوف طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يجبر بالدم ويبطل الحج بدونه، وهذا مذهب مالك ( مواهب الجليل 1/374) والشافعي  (المجموع 8/237) والحنابلة الإنصاف (4/15).

واستدلوا: بما روي عن ابن عباس أنه قال: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاة إِلَّا أَنَّ اللهَ أَبَاحَ فِيْهِ الْكَلَامَ». سنن الدارمي (1889)، السنن الكبرى للنسائي (3931 )، مصنف ابن أبي شيبة( 12808)، وقد اختلف في وقفه ورفعه.

القول الثاني: الطهارة ليست شرطًا لصحة الطواف، إنما هي واجب يجبر بالدم. وهذا مذهب أبي حنيفة ( المبسوط 4/45:44 ) وأحمد في أحد قوليه  (       الإنصاف 4/15):

واحتجوا: بقوله تعالى: ( وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) الحج: 29

قالوا: أمر الله تعالى في الآية بالطواف، وهو اسم للدوران حول البيت، وذلك يتحقق من المحدث والطاهر، فاشتراط الطهارة فيه يكون زيادة على النص، ومثل هذه الزيادة لا تثبت بخبر الواحد ولا بالقياس؛ لأن الركنية لا تثبت إلا بالنص، فأما الوجوب فيثبت بخبر الواحد؛ لأنه يوجب العمل ولا يوجب علم اليقين، والركنية إنما تثبت بما يوجب علم اليقين، فأصل الطواف ركن ثابت بالنص، والطهارة فيه تثبت بخبر الواحد، فيكون موجب العمل دون العلم، فلم تصر الطهارة ركنًا، ولكنها واجبة، والدم يقوم مقام الواجبات في باب الحج- المبسوط للسرخسي 3/38.

القول الثالث: لا يجوز للحائض الطواف بالبيت ولكن إن لم يتسع الوقت فهي معذورة وفي هذه الحالة تغتسل وتطوف طواف الإفاضة وهي حائض، وهو ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ( مجموع الفتاوى 26/255)، وابن القيم  (إعلام الموقعين 3/18، 19)

 واحتجوا على عدم جواز الطواف للحائض بحديث عائشة  وفيه «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» أخرجه البخاري (305)، ومسلم (1211).

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (26/255):

فهذه ” المسألة” التي عمت بها البلوى. فهذه إذا طافت وهي حائض وجبرت بدم أو بدنة أجزأها ذلك عند من يقول: الطهارة ليست شرطا، كما تقدم في مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه، وأولى فإن هذه معذورة، لكن هل يباح لها الطواف مع العذر؟ هذا محل النظر، وكذلك قول من يجعلها شرطًا، هل يسقط هذا الشرط للعجز عنه ويصح الطواف؟

هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته.

فيتوجه أن يقال: إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات ويسقط عنها ما تعجز عنه، فتطوف، وينبغي أن تغتسل وإن كانت حائضًا كما تغتسل للإحرام وأولى. وتستثفر كما تستثفر المستحاضة.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3/18: 19):

     ” ….. تطوف بالبيت والحالة هذه وتكون هذه ضرورة مقتضية لدخول المسجد مع الحيض والطواف معه وليس في هذا ما يخالف قواعد الشريعة، بل يوافقها …، إذ غايته سقوط الواجب أو الشرط بالعجز عنه، ولا واجب في الشريعة مع عجز ولا حرام مع ضرورة”.

تعقيب وترجيح:

أرى والله تعالى أعلم صحة ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وموافقوه من جواز طواف المرأة الحائض للإفاضة إذا كانت لا تستطيع بأي وسيلة أن تمكث في مكة حتى تطهر، لأن طواف الإفاضة ركن لا يتم الحج إلا به ، ولا يجوز أن يجبر بالدم ، فلا بد لها من الطواف، ولأننا لو أوجبنا عليها المكث حتى تطهر لوقعت في الحرج والمشقة، والله تعالى يقول  مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [الحج: 78].

وقال تعالى  فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا [التغابن: 16].

وقال تعالى لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة: 286].

ثالثًا: طواف  الحائض للوداع:

طواف الوداع آخر النسك؛ ويقع بعد جميع أعمال الحج، وسمي بهذا الاسم لأنه لتوديع البيت، ويسمّى أيضًا طواف الصدر؛ لأنه يقع عند صدور الناس من مكة.

وقد رخص للحائض ترك طواف الوداع ولا شيء عليها، هذا ما ذهب إليه جمهور العلماء.

ودليل ذلك ما روي عن أبي سلمة وعروة أن عائشة قالت: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللهِ  فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : فَلْتَنْفِرْ». أخرجه البخاري (1757) ومسلم(382-1211).

وعن ابن عباس، قال: «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْحَائِضِ». أخرجه البخاري (1755) ومسلم(1328).

وهذه بعض أقوال الفقهاء في المسألة:

قال الكاساني في بدائع الصنائع (2/142):

ثم دليل عدم الوجوب أنا أجمعنا على أنه لا يجب على الحائض، والنفساء، ولو كان واجبًا لوجب عليهما كطواف الزيارة.

قال الشافعي في الأم  (2/198):

وإن طهرت قبل أن تنفر فعليها الوداع كما يكون على التي لم تحض من النساء، وإن خرجت من بيوت مكة كلها قبل أن تطهر ثم طهرت لم يكن عليها الوداع، وإن طهرت في البيوت كان عليها الوداع.

قال ابن قدامة في المغني (3/406):

والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع، خرجت، ولا وداع عليها، ولا فدية، هذا قول عامة فقهاء الأمصار.

رابعًا: سعي الحائض بين الصفا والمروة:

لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز للحائض أن تسعى بين الصفا والمروة؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي  قال وقد حاضت: «فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» أخرجه البخاري (305)، ومسلم (1211).

خامسًا: إذا أحرمت المرأة بالعمرة متمتعة إلى الحج ثم وصلت مكة وطافت، وبعد الطواف حاضت أو نفست:

 لها أن تكمل عمرتها، فتسعى بين الصفا والمروة وهي حائض؛ لأن جمهور العلماء أجازوا السعي على غير طهارة، وإن كان أداء العبادات كلها على طهارة أفضل. ثم تأخذ قدر أنملة من شعرها وبذلك تكون قد تحللت. فإذا جاء يوم التروية وهي ما زالت حائضًا تغتسل وتهل بالحج وتخرج إلى منى محرمة ملبية، وتفعل كل المناسك وكل ما يفعل الحاج، ولا تطوف بالبيت حتى تطهر.

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: «نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ؛ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ أَبَا بَكْرٍ يَأْمُرُهَا: أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ»- أخرجه مسلم (1209).

وعن ابن عمر: «إذا طافت ثم حاضت قبل أن تسعى بين الصفا والمروة فلتسع بين الصفا والمروة»- أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (14394) وقال الحافظ في الفتح (3/590) إسناده صحيح.

     سادسًا: إذا حاضت المرأة المتمتعة  – مثلا اليوم الخامس من ذي الحجة – وخشيت فوات الحج لأنها في هذه الحالة لن تطهر قبل اليوم الحادي عشر، أي بعد فوات الوقوف بعرفة، فماذا تفعل؟

ذهب الجمهور إلى أنها تدخل الحج في العمرة فتصبح قارنة، وتغتسل، وتهل بالحج عند وصولها الميقات فتقول: لبيك اللهم بعمرة في حج، أو تقول: لبيك اللهم بحج. إن كانت تريد نسك الإفراد، وتظل محرمة لا تتحلل حتى إذا جاء يوم التروية خرجت إلى منى وهي محرمة ملبية، فإذا طهرت تغتسل وتظل محرمة حتى تقضي المناسك.

عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قدمت مكة وأنا حائض ولم أطُف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، قالت: فشكوت ذلك إلى رسول الله r، فقال: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي»- أخرجه البخاري(1650).

قال ابن المنذر  في  الإجماع (ص: 21):

أجمعوا على أنه من دخل مكة بعمرة في أشهر الحج أنه يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت.

                                                 مجلة التوحيد- المقالة الثامنة  من فقه المرأة

                                                              

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

 

 

 

 

مشاركة :
القائمة