fbpx
أحدث المقالات :

>> فقه المرأة_المقال السابع: حكم دخول الحائض المسجد وأحكام الغسل

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة السابعة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

فقد ذكرنا في الحلقة السابقة بعض المسائل المتعلقة بالحيض، كحرمة الصلاة والصيام للحائض،  والحكم إذا حاضت المرأة بعد دخول وقت الصلاة، وإذا طهرت الحائض قبل الفجر ونوت الصيام هل يصح صومها أم لا؟، وحكم قراءة القرآن للحائض؟ ونستكمل – بإذن الله  تعالى- ما يتعلق بالحيض من أحكام.

أولًا: حكم دخول الحائض المسجد:

بين أهل العلم نزاع في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: لا يحل للحائض دخول المسجد، وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء الحنفية (تبيين الحقائق 1/56)، والمالكية (مواهب الجليل 1/374)  والشافعية (المجموع شرح المهذب 2/357)، والحنابلة ( المغني 1/107).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

     عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد، فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد». ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يصنع القوم شيئًا رجاء أن تنزل فيهم رخصة، فخرج إليهم بعد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد، فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب»- أخرجه أبو داود (232) كتاب الطهارة، باب: الجنب يدخل المسجد، وابن خزيمة في صحيحه (1327)،  والبخاري في التاريخ الكبير ( 2/67) وإسحاق بن راهويه في مسنده (1783)، وأورده السيوطي في اللآلىء  المصنوعة (1/323-324).

وقال الخطابي في مختصر سنن أبي داود للمنذري (1/158):  ضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت مجهول لا يصح الاحتجاج به.

وقال البغوي في شرح السنة (2/46): ضعف أحمد الحديث لأن راويه أفلت بن خليفة مجهول.

وقال عبد الحق الأشبيلي في الأحكام الوسطى (1/207): لا يثبت من قبل إسناده.

وضعفه النووي في خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام (1/210)، وضعفه ابن الملقن في البدر المنير (2/561)، وضعفه الألباني في إرواء الغليل (193).

وضعفه ابن حزم في المحلى (1/401) وقال: أما أفلت فغير مشهور ولا معروف بالثقة، وأما محدوج فساقط يروي المعضلات عن جسرة، وأبو الخطاب الهجري مجهول، وأما عطاء الخفاف فهو عطاء بن مسلم منكر الحديث، وإسماعيل مجهول، ومحمد بن الحسن مذكور بالكذب، وكثير بن زيد مثله، فسقط كل ما في هذا الخبر جملة.

 القول الثاني: يحل للحائض دخول المسجد إذا أمنت تلويث المكان، وهو ما ذهب إليه ابن حزم، وداود الظاهري ( المحلى 1/400) والمزني صاحب الإمام الشافعي ( المجموع 2/160) وغيرهم.

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

الدليل الأول: قوله e: «المُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» – أخرجه البخاري (285)، ومسلم (371).

     فهذا نص عام يدل على أن المؤمن لا ينجس لا بجنابة ولا حيض ولا غير ذلك، ومن ثم فلا مانع من دخول الحائض المسجد.

 الدليل الثاني: عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد  (أو شابًا) ففقدها رسول الله فسأل عنها -أو عنه- فقالوا: مات قال: «أفلا كنتم آذنتموني» قال: فكأنهم صغروا أمرها -أو أمره- فقال: «دلوني على قبره» فدلوه، فصلى عليها.أخرجه البخاري (458)، ومسلم (956) واللفظ لمسلم.

     ومعلوم أن هذه المرأة كانت تأتيها الحيضة، ولم يمنعها النبي صلى الله عليه وسلم من المكث في المسجد، ولو كان الحيض مانعًا من دخول المسجد لمنعها النبي صلى الله عليه وسلم.    ( تقم: أي تجمع القمامة والكناسة ).

 الدليل الثالث:  أن عائشة رضي الله عنها عندما حاضت قبل أعمال الحج قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افْعَلِي كَمَا يَفْعَلُ الحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» أخرجه البخاري (305), ومسلم (1211).

     فلم ينهها النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن الطواف بالبيت فقط، ولم يمنعها من المكث في المسجد، ولو كان المكث في المسجد للحائض لا يجوز لمنعها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

 الدليل الرابع: الأصل البراءة الأصلية؛ لأن الأصل عدم التحريم، ولم يقم دليل صحيح صريح على تحريم دخول الحائض المسجد، وما استدل به الجمهور من حديث «لا أحل المسجد لجنب ولا لحائض» قد بينا ضعفه.

الدليل الخامس: أن العلماء أجازوا للكافر دخول المسجد رجلًا كان أو امرأة، بدليل ما روي عن أبى هريرة قال: «بعث النبى ﷺ خيلًا قِبَل نجد، فجاءت برجل من بنى حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سوارى المسجد، فخرج إليه النبى ﷺ فقال: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»- أخرجه البخارى (462) ومسلم (1764)، واللفظ للبخاري.

فإذا جاز للمشرك دخول المسجد جاز للمرأة المسلمة الحائض من باب أولى.

الدليل السادس: عن عائشة قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناوله الخمرة من المسجد فقلت: إني حائض، فقال: « تَنَاوَلِيهَا فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أخرجه مسلم (298). وفي رواية أبي هريرة، فقال: «يَا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» أخرجه مسلم (299).

     قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/286):

     وقد ذهب إلى جواز دخول الحائض المسجد وأنها لا تمنع إلا لمخافة ما يكون منها زيد بن ثابت، وحكاه الخطابي عن مالك والشافعي وأحمد وأهل الظاهر، ومنع من دخولها سفيان وأصحاب الرأي وهو المشهور من مذهب مالك.

قال ابن حزم في المحلى مسألة (634) 3/432:

    وإذا حاضت المعتكفة أقامت في المسجد كما هي تذكر الله تعالى، وكذلك إذا ولدت، فإنها إن اضطرت إلى الخروج خرجت ثم رجعت إذا قدرت؟ لما قد بينا قبل من أن الحائض تدخل المسجد، ولا يجوز منعها منه إذ لم يأت بالمنع لها منه نص ولا إجماع – وهو قول أبي سليمان.

وقال أيضًا في مسألة 262 (1/400 -402 )

     وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا وأن يدخلا المسجد وكذلك الجنب، لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – «المؤمن لا ينجس» وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم جماعة كثيرة ولا شك في أن فيهم من يحتلم، فما نهوا قط عن ذلك.

 

تعقيب وترجيح

     بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم يترجح لدي القول  الثاني القائل بجواز دخول الحائض المسجد؛ لقوة ما استدلوا به، وضعف دليل المخالفين، ولأن الأصل البراءة الأصلية، فحيث لم يصح النهي فالأصل الإباحة، وقد بينتُ ضعف ما استدل به الجمهور، والله تعالى أعلم.

ثانيًا: غسل المرأة من المحيض:

إذا انقطع دم الحيض وجب على المرأة أن تغسل، قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}- البقرة:222.

     وعن عائشة رضي الله عنها قالت، جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»- أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333).

فأمر صلى الله عليه وسلم بالاغتسال والأصل في الأمر الوجوب.

قال النووي في المجموع شرح المهذب (2/148):

     ” أجمع العلماء على وجوب الغسل بسبب الحيض وبسبب النفاس، وممن نقل الإجماع فيهما ابن المنذر، وابن جرير الطبري، وآخرون.

ثالثًا: كيفية غسل المرأة من الحيض:

صفة الغسل من الحيض، كصفة الغسل من الجنابة إلا في أشياء يسيرة:

عن عائشة زوج النبى ﷺ أن النبى ﷺ « كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فغَسْلِ يَدَيْهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ غرف بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ »أخرجه البخارى (248)، ومسلم (316) .

وعن ميمونة زوج النبى ﷺ قالت: « تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ  وُضُوءهُ لِلصَّلاَةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الجَنَابَةِ ». أخرجه البخارى (249)، ومسلم (317).

رابعًا: هل يجب على المرأة  نقض ضفيرتها فى غسل الحيض؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: يجب على المرأة أن تنقض ضفيرتها لغسل الحيض، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة في قول  ( المغنى 1/ 166) وابن حزم ( المحلى  1/ 285).

واستدلوا بما يأتي:

1- عن عائشة قالت: «… فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ»، فَفَعَلْتُ»- أخرجه البخارى (317)، ومسلم (1211).

والمشط لا يكون إلا في شعر غير مضفور- المغني 1/166.

ولأنه لما أمرها بنقض الشعر في غسل الإحرام وهو سنة فلأن يجب في غسل الحيض من باب أولى- عمدة القاري 3/288.

2- ولأن الأصل وجوب نقض الشعر ليتحقق وصول الماء إلى ما يجب غسله، فعفي عنه في غسل الجنابة؛ لأنه يكثر فيشق ذلك فيه، والحيض بخلافه، فبقي على مقتضى الأصل وهو الوجوب- المغني 1/16.

القول الثاني: لا يجب على المرأة أن تنقض ضفيرتها لغسل الحيض، وهو ما ذهب إليه الحنفية (البحر الرائق 1/54) والمالكية (منح الجليل 1/127)، والشافعية ( الأم 1/56)، والحنابلة في قول ( المغنى 1/ 166).

ويظهر من قولهم أنهم جعلوا عدم نقض الشعر في غسل الجنابة عامًا يشمل الحيض والجنابة، رغم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين غسل الجنابة والحيض كما هو واضح في الحديث «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ»، فَفَعَلْتُ».

تعقيب وترجيح:

بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم يترجح لدي القول الأول القائل بوجوب نقض الضفيرة عند الاغتسال من الحيض لحديث عائشة المتقدم، ولأن الأمر يقتضي الوجوب كما تقرر في الأصول، والله أعلم.

 خامسًا: استحباب استعمال المغتسلة من الحيض فرصه من مسك فى موضع الدم:

يستحب للحائض أن تأخذ شيئاً من مسك فتجعله في قطنة أو خرقة أو نحوها وتدخلها في فرجها ومثلها النفساء.

عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ لِلنَّبِيِّ : كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ المَحِيضِ؟ قَالَ: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِي ثَلاَثًا» ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ  اسْتَحْيَا، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، أَوْ قَالَ: «تَوَضَّئِي بِهَا» فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا، فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ- أخرجه البخارى (315)، ومسلم (332).

وقوله توضئي بها:  المراد به التنظيف والتطيب والتطهير.وكذلك سماه تطهيًرا وتوضئاً، والمراد الوضوء اللغوي الذى هو النظافة– فتح الباري لابن رجب 1/100.

سادسًا: لا يجب على المرأة إذا اغتسلت من جنابة أو حيض غسل داخل الفرج:

     جاء فى مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام [21/ 297]:

لا يجب على المرأة إذا اغتسلت من جنابة أو حيض غسل داخل الفرج، فى أصح القولين، والله أعلم.

وسُئل- رحمه الله- عن امرأتين تباحثتا فقالت إحداهما: يجب على المرأة أن تدس إصبعها وتغسل الرحم من داخل. وقالت الأخرى: لا يجب إلا غسل الفرج من ظاهر، فأيهما على الصواب؟ فأجاب: الصحيح أنه لا يجب عليها ذلك وإن فعلت جاز.

 

 

مجلة التوحيد- المقالة السابعة  من فقه المرأة

                                                            للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

مشاركة :
القائمة