fbpx
أحدث المقالات :

>> فقه المرأة_المقال السادس: ماذا يحرم على الحائض وهل تقضي الصلاة؟

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة السادسة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

فقد ذكرنا في المقالة السابقة علامة الطهر من الحيض، ومتى يجوز إتيان الحائض إذا طهُرت ؟ وهل تحيض الحامل أم لا؟ ونستكمل – بإذن الله  تعالى- ما يتعلق بالحيض من أحكام.

أولًا: يحرم على الحائض الصوم والصلاة:

اتفق الفقهاء على أنه يحرم على الحائض الصوم والصلاة، ويجب عليها قضاء الصوم ولا تقضي الصلاة – تبيين الحقائق (1/56)، بداية المجتهد (1/62)، المجموع شرح المهذب (2/354)، الكافي لابن قدامة (1/135،134).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

1- عن أبي سعيد  قال: قال النبي : «أليس إذا حاضت لم تصلِّ ولم تصم»- أخرجه البخاري (1951)، ومسلم (80) مطولا.

2- عن عائشة رضي الله عنها قالت، جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»- أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333).

3- عن معاذة قالت: سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة-أخرجه البخاري (321)، ومسلم (69- 335). ( حرورية: طائفة من الخوارج )

أقوال أهل العلم في المسألة:

قال ابن عبد البر في التمهيد ( 22/107)

: بعد أن ذكر حديث فاطمة بنت أبي حبيش:

وهذا نص صحيح في أن الحائض تترك الصلاة، ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أثبت منه من جهة نقل الآحاد العدول، والأمة مجمعة على ذلك وعلى أن الحائض بعد طهرها لا تقضي صلاة أيام حيضتها، لا خلاف في ذلك بين علماء المسلمين، فلزمت حجته،  وارتفع القول فيه.

   ثم يقول معقبًا على حديث معاذة :

         “وهذا إجماع أن الحائض لا تصوم في أيام حيضتها وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، لا خلاف في شيء من ذلك والحمد لله، وما أجمع المسلمون عليه فهو الحق والخبر القاطع للعذر.

قال ابن رجب في فتح الباري (2/133):

فإن نساء النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا كن يحضن في زمانه فلا يقضين الصلاة إذا طهرن، فإنما يكون ذلك بإقرار النبي – صلى الله عليه وسلم – على ذلك، وأمره به، فإن مثل هذا لا يخفى عليه، ولو كان القضاء واجبًا عليهن لم يهمل ذلك، وهو لا يغفل عن مثله لشدة اهتمامه بأمر الصلاة.

قال ابن المنذر في الإجماع (ص:42)

وأجمعوا على أن الحائض لا صلاة عليها في أيام حيضتها، فليس عليها القضاء.

وأجمعوا على أن عليها قضاء الصوم الذي تفطره في أيام حيضتها في شهر رمضان.

قال ابن رشد في بداية المجتهد (1/62)

واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة أشياء:

أحدهما: فعل الصلاة ووجوبها ( أعني أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها بخلاف الصوم).

 والثاني: أنه يمنع فعل الصوم لا قضاءه، وذلك لحديث عائشة الثابت أنها قالت: «كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة» وإنما قال بوجوب القضاء عليها طائفة من الخوارج.

والثالث: – فيما أحسب – الطواف؛ لحديث عائشة الثابت حين أمرها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن تفعل كل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت.

والرابع: الجماع في الفرج؛ لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الآية.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (3/284):

وأما إيجابُ قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمامِ محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين؛ فإن الحيضَ لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرع فيه فعلها، وكان في صلاتها أيام الطُّهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فتحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطُّهْر؛ لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهرٌ واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض لم يكن لها سبيلٌ إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحتُه، فوجب عليها أن تصوم شهرًا في طهرها؛ لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة اللَّه بعبده وإحسانه إليه بشرعه.

ثانيًا:  إذا دخل وقت الصلاة ثم حاضت المرأة قبل أن تصلي فهل يجب عليها قضاء الصلاة بعد الطهر أم لا؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة أقوال:

القول الأول: لا يجب عليها القضاء، وإليه ذهب الحنفية (بدائع الصنائع1/95)، وابن حزم (المحلى 1/394،395).

واستدلوا على ذلك: بأن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محددًا، وأباح لنا الصلاة في أول هذا الوقت وآخره، فإذا لم يتعين أول الوقت للوجوب، فلا يجب عليها القضاء؛ لأنه لو كانت الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها في آخر وقتها قاضًيا لها، آثما بتأخيرها عن وقتها، وهذا خلاف ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث صلى الصلاة في أول وقتها وفي آخر وقتها وقال للسائل الذي سأله عن مواقيت الصلاة: “مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتَ وَقْتٌ”- أخرجه مسلم (613).

 القول الثاني: إن أدركت الحائض من الوقت قدرًا يسع تلك الصلاة قبل حيضها وجب عليها القضاء، وإن كان الذي أدركته من الوقت لا يسع تلك الصلاة فلا يجب عليها القضاء، وإليه ذهب الشافعية ( المجموع شرح المهذب3/66)

واستدلوا على ذلك: بأنها إذا أدركت من الوقت قدرًا يسع الصلاة فقد تمكنت من أدائها فلزمها القضاء، كما إذا وجبت الزكاة على المزكي وتمكن من أدائها ولم يخرجها حتى هلك المال، فيجب عليه إخراجها.

القول الثالث: إن طرأ الحيض عليها وكان الباقي من الوقت يسع ركعة فأكثر فلا يجب عليها القضاء، وإن كان أقل من ركعة وجب عليها القضاء- وإليه ذهب المالكية (أسهل المدارك 1/161).

واستدلوا على ذلك: بما روي عن أبي هريرة أن النبي r قال: « مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلاَةَ »- صحيح البخاري (579) وصحيح مسلم (608).

  دل الحديث على  أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك وقتها، فإذا حاضت وكان الباقي من الوقت قدرًا يسع ركعة، فقد حصل العذر في وقت الصلاة، فلا يجب قضائها. أما إذا حاضت وقد بقي أقل من ركعة، فقد خرج وقت الصلاة، واستقرت الصلاة في ذمتها، فإذا طرأ الحيض بعد ذلك وجب عليها القضاء.

القول الرابع: إن أدركت الحائض من الوقت قدر تكبيرة الإحرام ثم حاضت وجب عليها القضاء، وإليه ذهب الحنابلة ( الإنصاف للمرداوي 3/177).

       واستدلوا بما روي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر، قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح، قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته»- صحيح البخاري (556).

فدل الحديث على أن من أدرك قدرًا من الصلاة ولو سجدة فقد أدرك الصلاة، وعليه فلو أدركت المرأة جزءًا من وقت الصلاة ولو بقدر تكبيرة الإحرام ثم حاضت وجب عليها القضاء.

وتعقب بأن المراد بالسجدة في الحديث الركعة بدليل ما روي عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع، فقد أدركها»، والسجدة إنما هي الركعة- صحيح مسلم (608).

أقوال أهل العلم في المسألة:

أولًا: من قال لا يجب عليها القضاء:

قال السرخسي في المبسوط (2/14،15)

وإذا أدركها الحيض في شيء من الوقت وقد افتتحت الصلاة أو لم تفتتحها سقطت تلك الصلاة عنها، أما إذا حاضت بعد دخول الوقت فليس عليها قضاء تلك الصلاة إذا طهرت عندنا، لكنا نقول ما بقي شيء من الوقت فالصلاة لم تصر دينًا في ذمتها بل هي في الوقت عين ، وإنما تعذر عليها الأداء بسبب الحيض وذلك غير موجب للقضاء، فأما بخروج الوقت فتصير الصلاة دينًا في ذمتها، والحيض لا يمنع كون الصلاة دينًا في ذمتها.

قال الكاساني في بدائع الصنائع (1/95):

إذا حاضت في آخر الوقت أو نفست والعاقل إذا جن أو أغمي عليه والمسلم إذا ارتد – والعياذ بالله – وقد بقي من الوقت ما يسع الفرض لا يلزمهم الفرض عند أصحابنا؛ لأن الوجوب يتعين في آخر الوقت عندنا إذا لم يوجد الأداء قبله فيستدعي الأهلية فيه لاستحالة الإيجاب على غير الأهل ولم يوجد.

قال ابن حزم في المحلى (1/394،395)

وإن حاضت امرأة في أول وقت الصلاة أو في آخر الوقت ولم تكن صلت تلك الصلاة سقطت عنها، ولا إعادة عليها فيها… برهان قولنا: هو أن الله تعالى جعل للصلاة وقتًا محدودًا أوله وآخره، وصح أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صلى الصلاة في أول وقتها وفي آخر وقتها، فصح أن المؤخر لها إلى آخر وقتها ليس عاصيًا. لأنه – عليه السلام – لا يفعل المعصية، فإذا هي ليست عاصية فلم تتعين الصلاة عليها بعد، ولها تأخيرها، فإذا لم تتعين عليها حتى حاضت فقد سقطت عنها، ولو كانت الصلاة تجب بأول الوقت لكان من صلاها بعد مضي مقدار تأديتها من أول وقتها قاضًيا لها لا مصليًا، وفاسقًا بتأخيرها عن وقتها، ومؤخرًا لها عن وقتها، وهذا باطل لا اختلاف فيه من أحد.

 

ثانيًا من قال إن أدركت  من الوقت قدرًا يسع تلك الصلاة وجب عليها القضاء:

قال النووي في المجموع (3/66):

فاما إذا أدرك جزءًا من أول الوقت ثم طرأ العذر بأن كان عاقلا في أول الوقت فجن، أو طاهرًا فحاضت نظرت، فان لم يدرك ما يسع فرض الوقت سقط الوجوب ولم يلزمه القضاء…. وإن أدرك من الوقت ما يسع للفرض ثم طرأ الجنون أو الحيض استقر الوجوب ولزم القضاء إذا زال العذر…. لأنه وجب عليه وتمكن من أدائه، فأشبه إذا وجبت الزكاة وتمكن من أدائها فلم يخرج حتى هلك المال.

ثالثًا: من قال إن كان الباقي من الوقت يسع ركعة فأكثر لا يجب عليها القضاء:

قال الكشناوي من المالكية في أسهل المدارك (1/161):

إذا زال العذر كالنوم والإغماء والجنون … وكان الباقي من ضروري الصبح ما يسع ركعة بسجدتيها فإنها تكون مدركة من حيث الأداء، ويتعلق به وجوب فعلها.. وطرو العذر لمثل ذلك مسقط  يعني أن طرو عذر من الأعذار المتقدمة في تقدير الأوقات المذكورة مسقط للصلاة.

رابعًا: من قال إن أدركت من الوقت قدر تكبيرة الإحرام  وجب عليها القضاء:

قال المرداوي في الإنصاف (3/177):

   اعلم أن الصحيح من المذهب؛ أن الأحكام تترتب بإدراك شيء من الوقت ولو قدر تكبيرة… ومن أدرك من الوقت قدر تكبيرة، ثم جن، أو حاضت المرأة، لزمهم القضاء.

الراجح

بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم أرى أن الراجح والله أعلم – هو ما ذهب إليه الحنفية وابن حزم من أنه إذا دخل وقت الصلاة ثم حاضت المرأة قبل أن تصلي فلا يجب عليها القضاء؛ ومن أشف ما يستدل به أن الصحابيات في عهد رسول الله صلى الله  عليه وسلم كن يحضن في كل الأوقات ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم واحدة منهن بقضاء الصلاة التي فاتتها قبل نزول الحيض، ولو كان القضاء واجبًا لأمرهن بذلك إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

                                                    مجلة التوحيد- المقالة السادسة  من فقه المرأة

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

 

مشاركة :
القائمة