fbpx
أحدث المقالات :

>> فقه المرأة_المقال الخامس: علامة الطهر ومتى يجوز إتيان الحائض؟

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة الخامسة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد

فقد ذكرنا في الحلقة السابقة بعض الأحكام المتعلقة بالحيض كنجاسة دم الحيض، وكيفية تطهير الثوب منه، وطهارة سؤر الحائض وعرقها وسائر جسدها وتحريم وطء الحائض، ونستكمل ما بدأناه في الحلقة السابقة .

     أولًا: متى يجوز إتيان الحائض إذا طهُرت ؟

قال تعالى: ﴿… وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾  [البقرة: 222].

ذهب جمهور العلماء إلى أن الحائض لا يقربها زوجها حتى تغتسل، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم.

     قال القرطبى فى الجامع لأحكام القرآن [3/ 91]:

قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ يعنى بالماء، وإليه ذهب مالك وجمهور العلماء أن الطهر الذى يحل به جماع الحائض الذى يذهب عنها الدم هو تطهرها بالماء كطهر الجنب.

     جاء فى الأم للشافعى [1/ 129]:

وأبان الله عز وجل أنها حائض غير طاهر، وأمر أن لا تُقرب حائض حتى تطهر، ولا إذا طهرت حتى تتطهر بالماء، وتكون ممن تحل لها الصلاة، ولا يحل لامرئ كانت امرأته حائضًا أن يجامعها حتى تطهر، فإن الله تعالى جعل التيمم طهارة إذا لم يوجد الماء.

     وفى التمهيد لابن عبد البر [1/ 494: 495]:

قال: إن قول الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ دليل على بقاء تحريم الوطء بعد الطهر حتى يتطهرن بالماء، لأن تطهرن تفعلن، مأخوذ من قول الله: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ﴾ يريد الاغتسال بالماء، وقد يقع التحريم بالشيء ولا يزول بزواله لعلة أخرى، دليل ذلك قول الله عز وجل: ﴿ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وليس تحل له  بنكاح الزوج حتى يمسها ويطلقها، وكذلك لا تحل الحائض للوطء بالطهر حتى تغتسل.

     قال ابن قدامة فى المغنى [1/ 247]:

إن وطء الحائض قبل الغسل حرام، وإن انقطع دمها فى قول أكثر أهل العلم.

قال ابن المنذر: هذا كالإجماع منهم. وقال أحمد بن محمد المروزى: لا أعلم فى هذا خلافًا. وقال أبو حنيفة: إن انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها. وإن انقطع لدون ذلك لم يبح حتى تغتسل أو تتيمم أو يمضى عليها وقت صلاة؛ لأن وجوب الغسل لا يمنع من الوطء بالجنابة.

ولنا قول الله تعالى: ( وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) يعنى إذا اغتسلن. هكذا فسره ابن عباس، ولأن الله تعالى قال فى الآية: ( وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) فأثنى عليهم. فيدل على أنه فعل منهم أثنى عليهم به، وفعلهم هو الاغتسال دون انقطاع الدم فشرط إباحة الوطء شرطين: انقطاع الدم، والاغتسال فلا يباح إلا بهما.

وهذا ما ذهب إليه ابن حزم في المحلى (1/391) مسألة (256).

ثانيًا: علامة الطهر من الحيض:

     تطهر المرأة بأحد أمرين:

     الأول: القصة البيضاء: وهي سائل أبيض شفاف يخرج من النساء في آخر الحيض، يكون علامة على الطهر.

     الثاني: الجفاف التام: وذلك بأن تدخل المرأة قطنة أو خرقة في فرجها، فتخرج بيضاء ليس فيها شيء من الدم لا صفرة ولا كدرة ولا غيرهما.

جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير( 1/214):

     علامة الطهر أي انقطاع الحيض أمران: الجفوف: أي خروج الخرقة خالية من أثر الدم وإن كانت مبتلة من رطوبة الفرج، والقصة: وهي ماء أبيض كالمني أو الجير المبلول. والقصة أبلغ: أي أدل على براءة الرحم من الحيض، فمن اعتادتها أو اعتادتهما معًا طهرت بمجرد رؤيتها فلا تنتظر الجفوف.

     ثالثًا: هل تحيض الحامل؟

     للعلماء قولان في المسألة:

     القول الأول: أنها لا تحيض، واستدلوا بأدلة:

     الدليل الأول: قوله تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] .

     وقوله تعالى: { وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]

     فدل هذا على أن الحامل لا تحيض، إذ لو كانت تحيض، لكانت عدتها ثلاث حيضات كغير الحامل- الشرح الممتع 1/469.

     الدليل الثاني: عن أبى سعيد الخدرى t أن رسول الله ﷺ قال فى سبى أوطاس: « لَا تُوطَأُ حَامِلٌ، – قَالَ أَسْوَدُ: حَتَّى تَضَعَ – وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً. قَالَ يَحْيَى: أَوْ تُسْتَبْرَأُ بِحَيْضَةٍ»- صحيح أبي داود (2157)، والدارمى (2295). 

     فبين النبي صلى الله عليه وسلم  أنه يحرم على الرجل أن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملًا حتى تضع حملها، وإذا كانت غير حامل فلا يطأها حتى تحيض حيضة؛ إذ لا براءة لرحمها بغير الحيض ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الحيض علامة على براءة الرحم.

     الدليل الثالث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه طلق امرأته وهي حائض، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء»- أخرجه البخاري (5251)، ومسلم (1471).

     وفي لفظ لمسلم (5/1471): «مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملًا».

     فدل ذلك على أن الحامل تكون طاهرًا لا تحيض.

     الدليل الرابع: أن العادة جرت أن الحامل لا تحيض، قال الإمام أحمد رحمه الله: «إنما تعرف النساء الحمل بانقطاع الدم»- الشرح الممتع 1/469.

وإلى هذا القول ذهب الحنفية ( المبسوط 2/ 34 )، وبعض الشافعية ( روضة الطالبين 1/174)، والحنابلة ( المغنى 1/ 262)، وابن حزم  ( المحلى 1/ 404).

    القول الثاني: أنها تحيض، وفى هذه الحالة تمسك عن الصلاة،  وحجتهم:

     قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ( البقرة:222)

     وهذه الآية عامة، تعم ما كان في الحمل أو في غير الحمل.

وإليه ذهب بعض المالكية ( الاستذكار 1/ 327)،  وبعض الشافعية (روضة الطالبين 1/174).

     أقوال أهل العلم في المسألة:

     أولًا: القائلون بأن الحامل لا تحيض:    

     قال ابن قدامة في المغنى [1/ 262]:

     مذهب أبى عبد الله رحمه الله: أن الحامل لا تحيض، وما تراه من دم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين منهم سعيد بن المسيب وعطاء والحسن وجابر وغيرهم وأبو حنيفة وابن المنذر… قال مالك والشافعى والليث: ما تراه من الدم حيض إذا أمكن، وروى ذلك عن الزهرى وقتادة وإسحاق لأنه دم صادف عادة فكان حيضًا كغير الحامل.

     ولنا: قول النبى ﷺ: « لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَسْتَبْرأ بِحَيْضَةٍ» فجعل وجود الحيض عَلَمًا على براءة الرحم فدل ذلك على أنه لا يجتمع معه…  ولأنه زمن لا يعتادها الحيض فيه غالبًا، فلم يكن ما تراه فيه حيضًا كالآيسة.

     قال السرخسي فى المبسوط [2/20]:

     قالت الصحابة: فإن كانت آيسة أو صغيرة فنزل قوله: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ ﴾ فقالوا: فإن كانت حاملًا، فنزلت: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ففى هذا بيان أن الحامل لا تحيض وأنها ليست من ذوات الأقراء، وتبين بهذا أن قوله: «إِذَا أَقْبَل قُرْؤك» يتناول الحائل دون الحامل.

     قال ابن حزم فى المحلى [1/ 404]:

     وكل دم رأته الحامل ما لم تضع آخر ولد فى بطنها، فليس حيضًا ولا نفاسًا، ولا يمنع من شىء، ….. وليس أيضًا نفاسًا لأنها لم تنفس ولا وضعت حملها بعد ولا حائض، ولا إجماع بأنه حيض أو نفاس.

     ثانيًا: القائلون بأن الحامل تحيض:

     قال ابن عبد البر في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ( 16/87):

 “وليس في قوله عليه السلام لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض ما ينفي أن يكون حيض على حمل؛ لأن الحديث إنما ورد في سبي أوطاس حين أرادوا وطئهن فأخبروا عن الحامل لا براءة لرحمها بغير الوضع والحائل لا براءة لرحمها بغير الحيض لا أن الحامل لا تحيض”.

     قال ابن القيم في زاد المعاد ( 5/651،652 ،653) في معرض ذكره لأدلة من قال بأن الحامل تحيض:

     “لا نزاع أن الحامل قد ترى الدم على عادتها، لا سيما في أول حملها، وإنما النزاع في حكم هذا الدم لا في وجوده. وقد كان حيضًا قبل الحمل بالاتفاق، فنحن نستصحب حكمه حتى يأتي ما يرفعه بيقين. والحكم إذا ثبت في محل، فالأصل بقاؤه حتى يأتي ما يرفعه،…ولأن الدم الخارج من الفرج الذي رتب الشارع عليه الأحكام قسمان: حيض واستحاضة، ولم يجعل لهما ثالثًا، وهذا ليس باستحاضة، فإن الاستحاضة: الدم المطبق، والزائد على أكثر الحيض، أو الخارج عن العادة، وهذا ليس واحدًا منها، فبطل أن يكون استحاضة، فهو حيض، .. ولا يمكنكم إثبات قسم ثالث في هذا المحل، وجعله دم فساد، فإن هذا لا يثبت إلا بنص أو إجماع أو دليل يجب المصير إليه، وهو منتف.

     قالوا: وقد رد النبي – صلى الله عليه وسلم – المستحاضة إلى عادتها، وقال: «اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضين»  .فدل على أن عادة النساء معتبرة في وصف الدم وحكمه، فإذا جرى دم الحامل على عادتها المعتادة، ووقتها من غير زيادة ولا نقصان ولا انتقال، دلت عادتها على أنه حيض، ووجب تحكيم عادتها، وتقديمها على الفساد الخارج عن العبادة.

     وحديث ابن عمر فيه إباحة الطلاق إذا كانت حائلًا بشرطين: الطهر وعدم المسيس، فأين في هذا التعرض لحكم الدم الذي تراه على حملها، وليس في هذا ما يدل على أن دم الحامل دم فساد، بل على أن الحامل تخالف غيرها في الطلاق، وأن غيرها إنما تطلق طاهرًا غير مصابة، ولا يشترط في الحامل شيء من هذا، بل تطلق عقيب الإصابة، وتطلق وإن رأت الدم، فكما لا يحرم طلاقها عقيب إصابتها، لا يحرم حال حيضها.

الراجح

     بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم أرى أن الراجح   هو ما ذهب إليه الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة وابن حزم ومن وافقهم من  أن  الحامل لا تحيض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل وجود الحيض علامة على براءة الرحم، ولو كانت الحامل تحيض لكانت عدتها ثلاث حيض كغير الحامل، وعلى ذلك فإذا رأت  الحامل الدم فهو دم استحاضة وليس حيضًا فتصلي وتصوم، والله تعالى أعلم.

 

                                                     مجلة التوحيد- المقالة الخامسة  من فقه المرأة

     للدكتور/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

 

مشاركة :
القائمة