fbpx
أحدث المقالات :

>> فقه المرأة_المقال الرابع: أحكام الحيض

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة الرابعة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد

فقد كان موضوع المقالة السابقة عن بيان  أنواع الدماء الخارجة من المرأة،  وقد ذكرنا تعريف الحيض، وألوانه، ومدته، وبقي بيان الأحكام المتعلقة بالحيض.

ولا يخفى أن معرفة المرأة للأحكام المتعلقة بالحيض من الأهمية بمكان؛ حيث تتعلق هذه الأحكام بالطهارة، والصلاة، وقراءة القرآن، وغير  ذلك  من الأحكام.

أولًا: نجاسة دم الحيض:

     دم الحيض نجس، والدليل على نجاسته، ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت، جاءت فاطمة بنت أبي حبيش، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي»- أخرجه البخاري (228)، ومسلم (333).

     فقوله صلى الله عليه وسلم ( فاغسلي عنك الدم ) دليل على نجاسة دم الحيض.

قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/58):

     “واعلم أن دم الحيض نجس بإجماع المسلمين”

ثانيًا: كيفية تطهير الثوب من الحيض:

     عن أسماء بنت أبى بكر أنها قالت: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّي فِيهِ» -أخرجه البخارى (307) ومسلم (291).

وعن عائشة قالت: « كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ »- صحيح البخاري (307).

قال ابن بطال في فتح الباري (1/489).

     حديث عائشة يفسر حديث أسماء، وأن المراد بالنضح في حديث أسماء الغسل، وأما قول عائشة: « وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ » فإنما فعلت ذلك دفعًا للوسوسة.

     وعن عائشة- رضى الله عنها- قالت: « مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا »- أخرجه البخارى (312).

قال الحافظ فى الفتح [1/ 492]:

     وإنما أزالت الدم بريقها ليذهب أثره ولم تقصد تطهيره وقد مضى قبل بباب عنها ذكر الغسل بعد القرص قالت: «ثُمَّ تُصَلِّى فِيْهِ» فدل على أنها عند إرادة الصلاة فيه كانت تغسله. وقولها في حديث الباب: « قَالَتْ بِرِيقِهَا » من إطلاق القول على الفعل، وقولها: « فَقَصَعَتْهُ » أى حكته وفركته بظفرها، والقصع: الدلك.

ثالثًا: طهارة سؤر الحائض وعرقها وسائر جسدها:

     السؤر: بقية الشيء، يقال أسآر فلان من طعامه وشرابه،  وذلك إذا أبقى بقية؛ قال: وبقية كل شيء سؤره- لسان العرب (4/340).

      سؤر الحائض ودمعها وعرقها وجميع جسدها طاهر ، وقد جاءت أحاديث كثيرة دالة على ذلك أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

الدليل الأول: عن عائشة- رضى الله عنها- قالت: « كنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ، فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ »- أخرجه مسلم (300)، والنسائى (70). العرق: العظم الذي عليه اللحم.

قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/349):

     والحديث يدل على أن ريق الحائض طاهر ولا خلاف فيه فيما أعلم، وعلى طهارة سؤرها من طعام أو شراب ولا أعلم فيه خلافًا.

قال الملا القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (2/494)

     وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها، وعلى أن أعضاءها من اليد والفم وغيرهما ليست بنجسة.

     الدليل الثاني: عن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) [البقرة: 222] إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه- صحيح مسلم (302).

قال الصنعاني في سبل السلام (1/154):

     إن المأمور به من الاعتزال، والمنهي عنه من القربان هو النكاح: أي اعتزلوا نكاحهن، ولا تقربوهن له، وما عدا ذلك من المواكلة والمجالسة والمضاجعة وغير ذلك جائز.

     الدليل الثالث: عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُخرِج إليَّ رأسه من المسجد، وهو مجاور، فأغسله وأنا حائض»- صحيح البخاري (301) وصحيح مسلم (297).

قال الحافظ في فتح الباري (1/402)

     وهو دال على أن ذات الحائض طاهرة وعلى أن حيضها لا يمنع ملامستها.

     الدليل الرابع: وعن عائشة قالت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أناوله الخمرة من المسجد فقلت: إني حائض، فقال: « تَنَاوَلِيهَا فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»- أخرجه مسلم (298).

     وفي رواية أبي هريرة، فقال: «يَا عَائِشَةُ، نَاوِلِينِي الثَّوْبَ  فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ»- أخرجه مسلم (299).

     الدليل الخامس: عن سلمة بن عبد الرحمن، أن زينب بنت أم سلمة حدثته أن أم سلمة، حدثتها قالت: بينما أنا مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة، إذ حضت، فانسللت، فأخذت ثياب حيضتي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنفست؟» قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة. قالت: «وكانت هي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسلان في الإناء الواحد، من الجنابة»- صحيح مسلم (296).

(الخميلة) قال أهل اللغة الخميلة والخميل بحذف الهاء هي القطيفة، وقيل هي الأسود من الثياب. (انسللت) أي ذهبت في خفية. (ثياب حيضتي) أي الثياب المعدة لزمن الحيض. (أنفست) المشهور في اللغة أن نفست معناه حاضت وأما في الولادة فقال نفست، وأصل ذلك كله خروج الدم، والدم يسمى نفسا. شرح النووي (3/207،206).

قال النووي في شرح مسلم (3/207):

     فيه جواز النوم مع الحائض والاضطجاع معها في لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة أو يمنع الفرج وحده عند من لا يحرم إلا الفرج.

رابعًا: تحريم وطء الحائض:

تحرير محل النزاع

     1- اتفق الفقهاء على تحريم وطء الحائض في فرجها- البحر الرائق (1/213)، بداية المجتهد (1/62)، الحاوي الكبير (9/313)، المغني (1/223)، المحلى بالآثار (1/402)

     قال تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) [البقرة: 222].

قال ابن حزم في مراتب الإجماع (ص:69):

     واتفقوا إن وطء الحائض في فرجها ودبرها حرام. أ.هـ.

     2- اتفق الفقهاء أيضًا على أن المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة حلال؛ للأحاديث الصريحة في ذلك.

     3- واختلفوا في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة على قولين:

     القول الأول: يحرم الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، وأن المباشرة تكون فيما فوق الإزار، وإليه ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف من الحنفية- (تبيين الحقائق 1/57)، والمالكية- ( حاشية الدسوقي 1/173)، والشافعية ( الأم 1/76).

          واستدلوا بما يأتي:

     الدليل الأول: ما روي عن عائشة قالت: « كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَاشِرَهَا ” أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا، قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَمْلِكُ إِرْبَهُ؟». أخرجه البخارى (302)، ومسلم (2-293).

تتزر: معناه تشد إزارًا تستر سرتها وما تحتها إلى الركبة فما تحتها.

فور حيضتها: أي الحيض أوله ومعظمه .

إربه: أي حاجته وهي شهوة الجماع. فتح الباري (1/404).

     الدليل الثاني: عن ميمونة، قالت: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ »- أخرجه مسلم (294)، وأبو داود (2167).

     قال ابن حجر في فتح الباري  (1/404):

والمراد أنه صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لأمره فلا يخشى عليه ما يخشى على غيره من أن يحوم حول الحمى، ومع ذلك فكان يباشر فوق الإزار تشريعًا لغيره ممن ليس بمعصوم.

وتعقب: بأن منع الوطء إنما هو لأجل الأذى، فاختص مكانه كالدبر، وهذا الحديث دليل على حل ما فوق الإزار، لا على تحريم غيره، وقد يترك النبي – صلى الله عليه وسلم – بعض المباح تقذرًا، كتركه أكل الضب والأرنب –  المغني (1/243).

قال الشافعى فى الأم [1/ 129]:

ودلت سنة رسول الله ﷺ على اعتزال ما تحت الإزار منها وإباحة ما سوى ذلك منها.

قال مالك في المدونة الكبرى[1/153]:

قال مالك في الحائض لتشد عليها إزارها ثم شأنه بأعلاها. قلت: ما معنى قول مالك ثم شأنه بأعلاها؟ قال: سئل مالك عن الحائض أيجامعها زوجها فيما دون الفرج فيما بين فخذيها؟ قال: لا ولكن شأنه بأعلاها.

القول الثاني: جواز مباشرة الحائض كيف شاء دون الجماع في الفرج، وإليه ذهب محمد من الحنفية- (تبيين الحقائق 1/57)، والحنابلة ( المغني 1/242) وابن حزم- ( المحلى 1/395).

     واستدلوا بما يأتي:

     الدليل الأول: قوله تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) [البقرة: 222].

     قال ابن قدامة في المغني (1/242):

     والمحيض اسم لمكان الحيض وهو الفرج؛ ولو أنه أراد بالمحيض الحيض لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه، والذي يدل على أن هذا التفسير أصح  أن سبب نزول الآية ما روي عن  أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ) [البقرة: 222] إلى آخر الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه- صحيح مسلم (302) وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على الحيض؛ لأنه يكون موافقًا لهم.

     قال ابن حزم في المحلى  (1/395).

     وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء، حاشا الإيلاج في الفرج.

  الدليل الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: « اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ » -أخرجه مسلم (302).

     قال ابن حزم في المحلى (1/399).

     فكان هذا الخبر بصحته، وبيان أنه كان إثر نزول الآية هو البيان عن حكم الله تعالى في الآية، وهو الذي لا يجوز تعديه، وأيضًا فقد يكون المحيض في اللغة موضع الحيض وهو الفرج، وهذا فصيح معروف، فتكون الآية حينئذ موافقة للخبر المذكور، ويكون معناها: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض. أ.هـ.

الراجح

     بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم، أرى أن الصواب ما ذهب إليه جماهير العلماء من  أن المباشرة إنما تكون فيما فوق الإزار، وذلك لأسباب: منها أنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم – كما تقدم من حديث عائشة وميمونة رضي الله عنهما- ، ومنها  أن هذا القول أقرب للتقوى وأبعد عن الوقوع في المحظور، والله تعالى أعلم.

 

 

                                                      مجلة التوحيد- المقالة الرابعة  من فقه المرأة

        للدكتور/ أم تميم عزة بنت محمد

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

 

مشاركة :
القائمة