fbpx
أحدث المقالات :

مبحث عن السحر

  • مقدمة.
  • تعريف السحر.
  • الفرق بين السحر والكهانة
  • هل للسحر حقيقة وتأثير أم أنه مجرد تخيلات؟
  • حكم عمل السحر وتعلمه وتعليمه.
  • حكم الساحر.
  • أنواع السحر.
  • هل سحر النبي صلى الله عليه وسلم؟
  • شبهات والرد عليها.
  • حل السحر عن المسحور وطرق الوقاية من السحر:
  • حكم حل السحر بمعاونةِ قسيس أو ساحر أو كاهن أو الاستعانة بالجن المسلم؟
  • حكم الكهانة وإتيان الكهان.
  • حكم قراءة الكف والفنجان وحظك اليوم.

 مقدمة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:-

اعلم أن السحر والكهانة والشعوذة والذهاب إلى الدجالين والعرافين والسحرة والمشعوذين من أمور الجاهلية التي حرمها الإسلام وأبطلها ، ومن ثمَّ فقد شرعتُ في كتابة هذا المبحث مساهمة مني في بيان الحق والتحذير من الباطل.

وسوف  أتناول في هذا المبحث – بإذن الله تعالى- تعريف السحر، والفرق بينه وبين الكهانة، وهل للسحر حقيقة وتأثير أم أنه مجرد تخيلات؟ وحكم عمل السحر وتعلمه وتعليمه، وحكم الساحر، ، وأنواع السحر، وهل سحر النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؟ والشبهات التي أثيرت حول سحر النبي صلى الله عليه وسلم والرد عليها، وطرق العلاج والوقاية من السحر، وحكم حل السحر بمعاونةِ قسيس أو ساحر أو كاهن أو الاستعانة بالجن المسلم؟وحكم الكهانة وإتيان الكهَّان، وحكم قراءة الكف والفنجان وحظك اليوم، وغير ذلك من مسائل ، واللهَ تعالى أسألُ أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم ، إنه قريب مجيب الدعاء.

 تعريف السحر:

السحرُ لغةً:

كلُّ ما لَطُف مأخذُهُ ودَقَّ([1]).

وهو مصدرُ قولِهم: سحرَه يسحرِهُ أي: خدعَه، والسحرُ: هو إخراجُ الباطلِ في صورةِ الحقِّ، ويقالُ: هو الخديعةُ.

والسحرُ:

عملٌ تُقُرِّبَ فيه إلى الشيطانِ وبمعونةِ منه. وأصل السحر: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره، فكأن الساحر لما أرى الباطل في صورة الحق وخيل الشيء على غير حقيقته قد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه. وسحرَهُ بكلامِه، استمالَهُ برقَّتِهِ وحسنِ تركيبِه([2]).

والسحر: البيان في فطنة، ومنه قوله  صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحرا([3]).

قال أبو عبيد:

كأن المعنى – والله أعلم- أنه يبلغ من ثنائه أنه يمدح الإنسان فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله، ثم يذمه فيصدق فيه حتى يصرف القلوب إلى قوله الآخر، فكأنه قد سحر السامعين بذلك([4]).

قال ابن الأثير في النهاية في غريب  الحديث والأثر (2/346):

أي منه ما يصرف قلوب السامعين وإن كان غير حق. وقيل معناه إن من البيان ما يكتسب به من الإثم ما يكتسبه الساحر بسحره، فيكون في معرض

الذم، ويجوز أن يكون في معرض المدح؛ لأنه يستمال به القلوب، ويترضى به

الساخط، ويستنزل به الصعب.

قال الهروي في تهذيب اللغة (4/170):

إنما سمت السحر سحرًا؛ لأنه يزيل الصحة إلى المرض، وإنما يقال: سحره أي أزاله عن البغض إلى الحب.

قال ابن منظور في لسان العرب ( 4/349):

والسحر: الفساد. وطعام مسحور إذا أفسد عمله، وقيل: طعام مسحور أي مفسود؛ ونبت مسحور: أي مفسود؛ وسحر المطر الطين والتراب سحرًا: أي أفسده فلم يصلح للعمل.

وفي الاصطلاحِ: “هو عقدٌ ورُقَىً وكلامٌ يَتكلمُ بهِ، أو يكتبُهُ الساحرُ أو يعملُ شيئًا يؤثرِ في بدنِ المسحورِ، أو قلبِه، أو عقلِه من غيرِ مباشرةٍ له”([5]).

 الفرق بين السحر والكهانة:

الكهانة في اللغة:

كَهَنَ له، كمنع ونصر وكرم، كَهانةً بالفتح وتَكَهَّن، تكهُّنًا: قضَى له بالغيبِ، فهو كاهنٌ، وكَهَنةٌ وكُهَّانٌ وحرفتُه: الكِهانةُ([6]).

واصطلاحًا: الكهانة بفتح الكاف ويجوز كسرها ادعاء علم الغيب، كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى سبب، والأصل فيه استراق الجنى السمع من كلام الملائكة فيلقيه في أذن الكاهن، والكاهن لفظ يطلق على العراف، والذي يضرب بالحصى، والمنجم، ويطلق على من يقوم بأمر آخر ويسعى في قضاء حوائجه، قال في الجامع العرب تسمي كل من أذن بشيء قبل وقوعه كاهنًا.

وقال الخطابي: الكهنة قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطباع نارية، فألفتهم الشياطين لما بينهم من التناسب في هذه الأمور، ومساعدتهم بكل ما تصل قدرتهم إليه، وكانت الكهانة في الجاهلية فاشية خصوصًا في العرب لانقطاع النبوة فيهم.

وهي على أصناف:

منها ما يتلقونه من الجن فإن الجن كانوا يصعدون إلى جهة السماء فيركب بعضهم بعضًا إلى أن يدنو الأعلى بحيث يسمع الكلام فيلقيه إلى الذي يليه إلى أن يتلقاه من يلقيه في أذن الكاهن فيزيد فيه، فلما جاء الإسلام ونزل القرآن حرست السماء من الشياطين، وأرسلت عليهم الشهب، فبقي من استراقهم ما يتخطفه الأعلى فيلقيه إلى الأسفل قبل أن يصيبه الشهاب، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى ( إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ) ([7]) وكانت إصابة الكهان قبل الإسلام كثيرة جدًا كما جاء في أخبار شق وسطيح ونحوهما، وأما في الإسلام فقد ندر ذلك جدًا حتى كاد يضمحل ولله الحمد.

ثانيها:

ما يخبر الجني به من يواليه بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا أو يطلع عليه من قرب منه لا من بعد.

ثالثها:

ما يستند إلى ظن وتخمين وحدس وهذا قد يجعل الله فيه لبعض الناس قوة مع كثرة الكذب فيه.

رابعها :

ما يستند إلى التجربة والعادة فيستدل على الحادث بما وقع قبل ذلك ومن هذا القسم الأخير ما يضاهي السحر- فتح الباري (10/216- 217).

قال ابن الأثير في النهاية (4/214):

الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. وقد كان في العرب كهنة، كشق، وسطيح، وغيرهما، فمنهم من كان يزعم أن له تابعًا من الجن ورئيًا يلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا يخصونه باسم العراف، كالذي يدعي معرفة الشيء المسروق، ومكان الضالة ونحوهما.ا هـ

lعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض – ووصف سفيان بكفه فحرفها، وبدد بين أصابعه – فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمع من السماء “([8]).

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/221):

إيراد باب الكهانة في كتاب الطب لمناسبته لباب السحر لما يجمع بينهما من

مرجع كل منهما للشياطين، وإيراد باب السحر في كتاب الطب لمناسبته ذكر الرقى وغيرها من الأدوية المعنوية، فناسب ذكر الأدواء التي تحتاج إلى ذلك، واشتمل كتاب الطب على الإشارة للأدوية الحسية كالحبة السوداء والعسل، ثم على الأدوية المعنوية كالرقى بالدعاء والقرآن، ثم ذكرت الأدواء التي تنفع الأدوية المعنوية في دفعها كالسحر كما ذكرت الأدواء التي تنفع الأدوية الحسية في دفعها كالجذام والله أعلم.

قال ابن تيمية في النبوات (2/830):

السحر والكهانة: فهو من إعانة الشياطين لبني آدم، فإنّ الكاهن تُخْبِره الجن، وكذلك الساحر إنما يقتل، ويُمرِض، ويَصْعَدُ في الهواء، ونحو ذلك، بإعانة الشياطين له؛ فأمورهم خارجة عما اعتاده الإنس بإعانة الشياطين لهم، قال تعالى: { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعَاً يَا مَعْشَرَ الجِنِّ قَد اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَال أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النارُ مَثْوَاكُمْ خالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ }([9])؛ فالجن والإنس قد استمتع بعضهم ببعض، فاستخدم هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء في أمور كثيرة، كُلّ منهم فعل للآخر ما هو غرضه، ليعينه على غرضِهِ. والسحر والكهانة من هذا الباب.ا هـ

l عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس

علمًا من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» ([10]).

قال ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (1/61):

النجوم التي من السحر نوعان:

أحدهما: علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث من جنس الاستقسام بالأزلام.

والثاني: عملي وهو الذي يقولون إنه القوى السماوية بالقوى المنفعلة الأرضية كالطلاسم ونحوها، وهذا من أرفع أنواع السحر، وكل ما حرمه الله ورسوله فضره أعظم من نفعه.

فالثاني، وإن توهم المتوهم أن فيه تقدمة للمعرفة بالحوادث، وأن ذلك ينفع فالجهل في ذلك أضعف، ومضرة ذلك أعظم من منفعته، ولهذا قد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، وهم في ذلك من نوع الكهان.

 مسألة: هل للسحر حقيقة وتأثير أم أنه مجرد تخيلات؟

قال النووى: والصحيحُ أنَّ له حقيقةً، وبه قطعَ الجمهورُ وعليه عامةُ العلماءِ، ويدلُّ عليه الكتابُ والسُّنَّةُ الصحيحةُ المشهورةُ- المجموع للنووي (19/240).

قال اللهُ تعالى: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ  [البقرة: 102].

وقال جلَّ ذكرُه: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ

[يونس: 79].

وقال سبحانه عن سحرةِ فرعونَ: سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ [الأعراف: 116].

وقال قومُ صالحٍ لنبيِّهم عليه السلامُ:  إنما أنت من المسحرين [الشعراء: 153]، وكذا قالَه قومُ شعيبٍ له.

l وقال سبحانه عن كفارِ قريشٍ أنَّهم قالُوا عن نبيِّنا :   إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا [الفرقان: 8].

وقال تبارك وتعالى قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) [الفلق: 1-4].

قال ابنُ كثير في تفسيره ٍ(4/708):

قولُه تعالى:

يعني: السواحرَ إذا رقيْنَ ونفثْنَ في العُقَدِ.

قال القرطبيُّ في الجامع لأحكام القرآن (2/46):

ذهب أهل السنة إلى أن السحر ثابت وله حقيقة. وذهب عامة المعتزلة وأبو إسحاق الأسترآبادي من أصحاب الشافعي إلى أن السحر لا حقيقة له، وإنما هو تمويه وتخييل وإيهام لكون الشيء على غير ما هو به، وأنه ضرب من الخفة والشعوذة، كما قال تعالى:” يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ([11])  ” ولم يقل تسعى على الحقيقة، ولكن قال” يخيل إليه”. وقال أيضا:” سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ”([12]). وهذا لا حجة فيه، لأنا لا ننكر أن يكون التخييل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوزها العقل وورد بها السمع، فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه، ولو لم يكن له حقيقة لم يمكن تعليمه، ولا أخبر تعالى أنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة. وقوله تعالى في قصة سحرة فرعون:” وجاؤ بسحر عظيم” وسورة” الفلق”، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم، وهو مما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهودي من يهود بني زريق يقال له لبيد بن الأعصم، الحديث. وفيه أنَّ النبيَّ r قال لما حُلَّ السحرُ “إنَّ الله شَفَاني”([13]) والشفاءُ إنَّما يكونُ برفعِ العلَّةِ وزوالِ المرضِ، فدلَّ أنَّ له حقيقةً، فهو مقطوعٌ به بإخبارِ اللهِ تعالى ورسولِه على وجودِه ووقوعِه، وعلى هذا أهلُ الحلِّ والعقدِ الذين ينعقدُ بهم الإجماعُ، ولا عبرةَ مع اتفاقِهم بحثالةِ المعتزلةِ ومخالفتِهم لأهلِ الحقِّ، ولقد شاعَ السحرُ وذاعَ في سابقِ الزمانِ وتكلمَّ الناسُ فيه ولم يبدُ من الصحابةِ ولا من التابعين إنكارٌ لأصلِه.ا هـ

قال المازريُّ في المعلم بفوائد مسلم (3/93):

أهلُ السُّنَّةِ وجمهورُ العلماءِ من الأمَّةِ على إثباتِ السحرِ وأنَّ له حقيقةً

كحقائقِ غيرِه من الأشياءِ الثابتةِ، خلافًا لمن أنكرَهُ ونفى حقيقتَهُ([14])، وأضافَ ما يتفقُ منه إلى خيالاتٍ باطلةٍ لا حقائقَ لهَا، وقد ذكرَه اللهُ سبحانه في كتابِهِ العزيزِ وذكرَ أنه ممَا يُتعلمُ وذكرَ ما يشيرُ إلى أنَّه مما يكفرُ بِهِ وأنَّه يفرِّقُ به بينَ المرءِ وزوجِه، وهذا كلُّه مما لا يمكنُ أن لا يكونَ فيما لا حقيقةَ لَهُ، وكيفَ يتعلمُ ما لا حقيقةَ لَهُ. اهـ

lوقال جلَّ ذكرُه: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ

[الأنعام: 128].

قال ابنُ القيِّمِ في بدائع التفسير (2/181 – 182):  يَعْنُونَ استمتاعَ كلِّ نوعٍ بالنوعِ الآخرِ، فاستمتاعُ الجنِّ بالإنسِ: طاعتُهم لهم فيما يأمرونُهم بِهِ من الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، فإن هذا أكثرُ أغراضِ الجنِّ من الإنسِ، فإذا أطاعُوهم فيه فقد أعطَوْهُم مُنَاهم، واستمتاعُ الإنسِ بالجنِّ: أنهم أعانُوهم على معصيةِ اللهِ تعالى والشركِ بِهِ بكلِّ ما يقدِرُونَ عليه: من التحسينِ والتزينِ والدعاءِ، وقضاءِ كثيرٍ من حوائجِهم، واستخدامِهم بالسحرِ والعزائمِ وغيرِها، فأطاعتْهم الإنسُ فيما يرضِيهم من الشركِ والفواحشِ والفجورِ، وأطاعتْهم الجنُّ فيما يرضِيهم من التأثيراتِ والإخبارِ ببعضِ المغيباتِ فتمتعَ كلٌّ من الفريقينِ بالآخر.

قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/227):

قد دل قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} وحديث عائشة المذكور: على تأثير السحر وأن له حقيقة.

قال ابن قدامة في المغني (9/28):

وله حقيقة، فمنه ما يقتل، وما يمرض، ويأخذ الرجل عن امرأته فيمنعه وطأها، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه، وما يبغض أحدهما إلى الآخر، أو يحبب بين اثنين.

قال ابن قدامة في الكافي في فقه الإمام أحمد (4/64):

السحر: عزائم ورقى وعُقَد تؤثر في الأبدان، والقلوب، فيمرض، ويقتل، ويفرق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله تعالى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] ، وقال الله سبحانه: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق: 1] إلى قوله: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} [الفلق: 4] يعني: السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن، وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر حقيقة، لم يأمر بالاستعاذة منه.

قال القرافي في الفروق (4/150):

وكان السحر وخبره معلومًا للصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – وكانوا مجمعين عليه قبل ظهور القدرية.

قال ابن عبد البر في الاستذكار (8/159):

السحر حق وأنه يؤثر في الأجسام وإذا كان هذا لم يؤمن منه ذهاب النفس.

قال ابن أبي العز في شرح الطحاوية (ص:519):

وَقَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي حَقِيقَةِ السِّحْرِ وَأَنْوَاعِهِ: وَالْأَكْثَرُونَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ قَدْ يُؤَثِّرُ

فِي مَوْتِ الْمَسْحُورِ وَمَرَضِهِ مِنْ غَيْرِ وُصُولِ شَيْءٍ ظَاهِرٍ إِلَيْهِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ.

 حكم عمل السحر وتعلمه وتعليمه:

عملُ السحرِ حرامٌ وهو من الكبائرِ بالإجماعِ.. ورسولُ اللهِ  عدَّهُ من السبعِ الموبقاتِ.. ومختصرُ ذلكَ أنَّه قدْ يكونُ كفرًا، وقد لا يكونُ كفرًا بل معصيةً كبيرةً، فإنْ كانَ فيه قولٌ أو فعلٌ يقتضِي الكفرَ كَفَرَ، وإِلا فلاَ ، وأمَّا تعلُّمُه وتعليمُه فحرام([15]).

قال النووي في المجموع (19/241):

ويحرم تعلمه لقوله تعالى (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ([16])

فذمهم على تعليمه، ولان تعلمه يدعو إلى فعله، وفعله محرم فحرم ما يدعو إليه.

قال الماوردي في الحاوي الكبير (13/97):

وتعلمه محرم محظور؛ لأن تعلمه داع إلى فعله والعمل به وما دعا إلى المحظور كان محظورًا.

قال البهوتي في كشاف القناع (6/186):

ويحرم تعلم السحر وتعليمه وفعله لما فيه من الأذى.

قال ابن قدامة في الكافي في فقه الإمام أحمد (4/65):

وتعلم السحر، والعمل به حرام.

قال اللخمي في التبصرة (13/6154):

عمل السحر والإجارة عليه مُحَرَّمٌ.

قال الشنقيطي في أضواء البيان (4/55):

اعْلَمْ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي تَعَلُّمِ السِّحْرِ مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ بِهِ. هَلْ يَجُوزُ أَوْ لَا؟ ، وَالتَّحْقِيقُ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ: هُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ فِي قَوْلِهِ: وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ [2/ 102] وَإِذَا أَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ السِّحْرَ ضَارٌّ وَنَفَى أَنَّهُ نَافِعٌ فَكَيْفَ يَجُوزُ تَعَلُّمُ مَا هُوَ ضَرَرٌ مَحْضٌ لَا نَفْعَ فِيهِ؟ !

 حكمُ الساحرِ:

قال جلَّ ثناؤُه: وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [البقرة: 102].

وقال جلَّ ذكرُه: وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [طه: 69].

للعلماءِ في هذهِ المسألةِ ثلاثةُ أقوالٍ:

الأولُ: أنَّ الساحرَ يكفرُ بسحرِه ويكونُ مرتدًّا يجبُ قتلُه ولا تقبلُ توبتُه، لأنَّه زنديقٌ يستترُ بالكفرِ، وهذا مذهبُ مالكٍ وأبي حنيفةَ.

الثاني: الساحرُ لا يكفرُ، ولكنْ يحبسُ ويعزرُ ويستتابُ لعلَّه يرجعُ، وهذا قولٌ لأحمدَ.

الثالثُ: الساحرُ لا يكونُ كافرًا بالسحرِ، إلا أن يكونَ ما يسحرُ به كفرًا، فيُقتلُ بالكفرِ كمن يُسَخِّرُ الشياطينَ ويعتقدُ أنها تفعلُ له ما يشاءُ، وهذا مذهبُ الشافعيِّ وغيرُه.

أقوالُ الفقهاءِ في المسألةِ:

قال مالكٌ وأصحابُه: إنَّ الساحرَ كافرٌ باللهِ تعالى. قال مالكٌ: هو كالزنديقِ إذا عملَ السحرَ بنفسِه قُتِلَ ولم يستتبْ، ومنْ لمْ يباشرْ عملَ السحرِ وجعلَ من يعملُه له ففي الموَّازيَّة: يُؤدَبَ أدبًا شديدًا.

قال الباجي: لا يُقتَلُ الساحرُ حتى يثبتَ أنَّ ما يفعلُه هو من السحرِ الذي وصفهُ اللهُ بأنَّه كفرٌ – التاج والإكليل (8/371).

قال الماوردي الحاوي الكبير (13/165):

اختلافُ الفقهاءِ في حكمِ الساحرِ على ثلاثةِ مذاهبَ:

مذهبُ أبي حنيفةَ: أنَّ الساحرَ يجبُ قتلُه ولا تقبلُ توبتُه.

مذهبُ الشافعيِّ: أنَّ الساحرَ لا يكونُ كافرًا بالسحرِ ولا يجبُ به قتلُه إلا أنْ يكونَ به كفرٌ فيصيرَ باعتقادِ الكفرِ كافرًا يجبُ قتلُه بالكفرِ لا بالسحرِ.

قال ابنُ قدامةَ المغني (8/105):

ويكفرُ الساحرُ بتعلُّمِهِ وفعلِه، سواءٌ لمعتقدِ تحريمِه أو إباحتِه، ورُوِيَ عن أحمدَ ما يدلُّ على أنَّه لا يكفرُ، فإنَّ حنبلًا روى عنْه، قال: قال عمِّي في العرافِ والكاهنِ والساحرِ: أرى يستتابُ من هذه الأفاعيلِ كلِّها، فإنَّه عندي في معنى المرتد، فإنْ تابَ ورجعَ يعني يُخلى سبيلُه، قلت له: يقتلُ؟ قال: لا، لعلَّه يرجعُ، وهذا يدلُّ على أنَّه لم يكفرْه، لأنَّه لو كفَّرَه لقتلَه، وقولُه في معنى المرتدِ: يعني في الاستتابةِ… ولم يرَ الشافعيُّ عليه القتلَ بمجردِ السحرِ وهو قولُ ابنِ المنذرِ وروايةٌ عن أحمدَ.

قال السيوطي في مطالب أولى النهى (9/98):

لا يكفرُ ولا يُقتلُ من يسحرُ بأدويةٍ وتدخينٍ وسقيِ شيءٍ يضرُّ، لأن الأصلَ العصمةُ، ولم يثبتْ ما يزيلُها (ويعزرُ) ساحرٌ بذلك (بليغًا) لينكفَّ هو ومن مثلُه بحيثُ لا يبلغُ به القتلَ على الصحيحِ من المذهبِ.

قال الشنقيطي في أضواء البيان (4/50) :

التحقيقُ في هذه المسألةِ هو التفصيلُ، فإن كان السحرُ مما يُعظَّمُ فيه غيرُ اللهِ، الكواكبُ والجنُّ و غيرُ ذلك، مما يؤدي إلى الكفرِ فهو الكفرُ بلا نزاعٍ.

ومن هذا النوعِ سحرُ هاروتَ وماروتَ المذكورُ في سورةِ البقرةِ فإنَّه كفرٌ بلا نزاعٍ، كما دلَّ عليه قولُه تعالى: وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ  ۖ [البقرة: 102]

وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ

[البقرة: 102] وقولُه تعالى: وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ  [طه: 69].

وإنْ كانَ السحرُ لا يقتضي الكفرَ كالاستعانةِ بخواصِّ بعضِ الأشياءِ من دهاناتِ وغيرِها، فهو حرامٌ حرمةً شديدةً ولكنَّه لا يبلغُ بصاحبِه الكفرَ، وهذا هو التحقيقُ إنْ شاءَ اللهُ تعالى في هذه المسألةِ التي اختلفَ فيها العلماءُ.

? وهذا الذي ذكره الشنقيطي هو الراجحُ عندِي: وهو ما ذهبَ إليه الشافعيُّ وابنُ المنذرِ والنوويُّ وهو الصحيحُ من مذهبِ أحمدَ وغيرُهم واللهُ أعلمُ.

 أنواع السحر:

من السحر ما يكون بخفة اليد كالشعوذة وهي خفة في اليدين وأخذة كالسحر.

ومنه ما يكون كلامًا يحفظ، ورقى من أسماء الله تعالى.

وقد يكون من عهود الشياطين.

ويكون أدوية وأدخنة وغير ذلك([17]).

قال ابن كثير في تفسيره باختصار (1/367-371)

ذكر أبو عبد الله الرازي أن أنواع السحر ثمانية:

الأول: سحر الكلدانيين والكشدانيين، الذين كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة، وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة العالم  وأنها تأتي بالخير والشر، وهم الذين بعث  إليهم إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم مبطلًا لمقالتهم ورادًا لمذهبهم….

النوع الثاني: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، ثم استدل على أن الوهم له تأثير، بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه، وما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام….

قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال، وهو على قسمين: تارة تكون حالًا صحيحة شرعية يتصرف بها فيما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ويترك ما نهى الله عنه ورسوله، وهذه الأحوال مواهب من الله تعالى وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه  حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم، كما أن الدجال – لعنه الله – له من الخوارق العادات  ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام…..

النوع الثالث: الاستعانة بالأرواح الأرضية، وهم الجن، وهم على قسمين: مؤمنون، وكفار، وهم الشياطين. قال: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية، لما بينهما من المناسبة  والقرب، ثم إن أصحاب الصنعة وأرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرقى والدخل  والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم وعمل التسخير …..

النوع الرابع: التخيلات، والأخذ بالعيون والشعبذة، ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره، ألا ترى أن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استفرغهم  الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه، عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه. فيتعجبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما  يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله…..

قلت: وقد قال بعض المفسرين: إن سحر السحرة بين يدي فرعون إنما كان من باب الشعبذة، ولهذا قال تعالى: {فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم} [الأعراف: 116] وقال تعالى: {يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى} [طه: 66] قالوا: ولم تكن تسعى في نفس الأمر. والله أعلم…..

النوع الخامس: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة من النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، كلما مضت ساعة من النهار ضرب  بالبوق، من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي تصورها الروم والهند، حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر؛ لأن لها أسبابا  معلومة يقينية  من اطلع عليها قدر عليها….

النوع السادس: الاستعانة بخواص الأدوية يعني في الأطعمة والدهانات . قال: واعلم أن لا سبيل إلى إنكار الخواص، فإن أثر المغناطيس مشاهد….

قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر ويتخيل على جهلة الناس بهذه الخواص، مدعيا أنها أحوال له  من مخالطة النيران ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات…..

النوع السابع: تعليق  القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن يكون ذلك السامع لذلك ضعيف العقل  قليل التمييز اعتقد أنه حق، وتعلق قلبه بذلك وحصل في نفسه نوع من الرهب والمخافة، فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة  فحينئذ يتمكن الساحر أن يفعل ما يشاء…..

النوع الثامن: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه خفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.

فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه….

قلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر، للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه…..

 مسألة: هل سُحِرَ النبي صلى الله عليه وسلم؟

عَنْ عَائِشَةَ – رضيَ اللهُ عنها – قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ r حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي([18]) فِيمَا فِيهِ شِفَائِي، أَتَانِي رَجُلاَنِ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِلآخَرِ مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ([19]). قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ. قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ: فِي مُشُطٍ وَمُشَاطةٍ([20]) وَجُبِّ([21]) طَلْعَةٍ ذَكَرٍ. قَالَ: أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ([22]). فَخَرَجَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ r ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لِعَائِشَةَ حِينَ رَجَعَ: نَخْلُهَا كَأَنَّهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ. فَقُلْتُ: اسْتَخْرَجْتَهُ فَقَالَ: لاَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللَّهُ، وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا، ثُمَّ دُفِنَتِ الْبِئْرُ ([23]).

مذهبُ جماهيرِ علماءِ أهلِ السُّنَّةِ أنَّ النبيَّ r سُحِرَ وحجتُهم هذا الحديثُ، وهذا لا يقدحُ في النُبوَّةِ، لأنَّ اللهَ سبحانَه عصمَ نبيَّنَا r من الخطأِ في التبليغِ وعصمَهُ ممَّا يحولُ بينَه وبينَ الرسالةِ وتبليغِها دونَ العوارضِ التي تجوزُ على الأنبياءِ كغيرِهم من البشرِ، وهذا من البلاءِ الذي يزيدُه اللهُ بهِ رفعةً في درجاتِه وأشدُ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، قد ابتليَ رسولُ اللهِ r بصنوفٍ من الابتلاءِ كغيرِه من الرسلِ.

 شبهات والرد عليها:

الشبهة الأولى: الطعن في سند الحديث:

S الرد على هذه الشبهة:

هذه الشبهة مردودة؛ فالحديث رواه الشيخان، وهو في أعلى درجات الصحة، وهو قطعي الثبوت صريح الدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سحر.

قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/224):

وهذا الحديث ثابت عند أهل العلم بالحديث متلقى بالقبول بينهم لا يختلفون في صحته، وقد اعتاض على كثير من أهل الكلام وغيرهم وأنكروه أشد الإنكار ، وقابلوه بالتكذيب وصنف بعضهم فيه مصنفُا مفردًا حمل فيه على هشام، وكان غاية ما أحسن القول فيه أن قال غلط واشتبه عليه الأمر ولم يكن من هذا شيء، قال لأن النبي لا يجوز أن يسحر فإنه يكون تصديقا لقول الكفار: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاّ رَجُلاً مَسْحُوراً}([24]) قالوا وهذا كما قال فرعون لموسى: {إِنِّي لأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً}([25]) وقال قوم صالح له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ

الْمُسَحَّرِينَ}([26]) وقال قوم شعيب له: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ}([27]) قالوا فالأنبياء لا يجوز عليهم أن يسحروا فإن ذلك ينافي حماية الله لهم وعصمتهم من الشياطين وهذا الذي قاله هؤلاء مردود عند أهل العلم فإن هشامًا من أوثق الناس وأعلمهم ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بما يوجب رد حديثه فما للمتكلمين وما لهذا الشأن وقد رواه غير هشام عن عائشة وقد اتفق أصحاب الصحيحين على تصحيح هذا الحديث ولم يتكلم فيه أحد من أهل الحديث بكلمة واحدة والقصة مشهورة عند أهل التفسير والسنن والحديث والتاريخ والفقهاء وهؤلاء أعلم بأحوال رسول الله وأيامه من المتكلمين.

الشبهة الثانية: السحر يشكك في النبوة ويحط من منصبها وينافي العصمة:

 الرد على هذه الشبهة:

قال النووي: قد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر فزعم أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع وهذا الذي ادعاه هؤلاء المبتدعة باطل؛ لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدة بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل، فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلا من أجلها وهو مما يعرض للبشر فغير بعيد أن يخيل إليه من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، وقد قيل إنه إنما كان يتخيل إليه أنه وطىء زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا فى المنام فلايبعد تخيله فى اليقظة ولاحقيقة له، وقيل إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لايعتقد صحة ما يتخيله، فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله فى الحديث حتى يظن أنه يأتى أهله ولايأتيهن، ويروى يخيل إليه أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنى منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن، ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لالخلل تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبسًا على الرسالة ولاطعنًا لأهل الضلالة-  شرح النووي على صحيح مسلم (14/174-175).

قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/224):

والسحر الذي أصابه كان مرضًا من الأمراض عارضًا شفاه الله منه، ولا

نقص في ذلك ولا عيب بوجه ما، فإن المرض يجوز على الأنبياء، وكذلك الإغماء، فقد أغمي عليه في مرضه ووقع حين انفكت قدمه وجحش شقه” رواه البخاري ومسلم وهذا من البلاء الذي يزيده الله به رفعة في درجاته ونيل كرامته، وأشد الناس بلاء الأنبياء، فابتلوا من أممهم بما ابتلوا به من القتل والضرب والشتم والحبس، فليس ببدع أن يبتلى النبي صلى الله عليه وسلم من بعض أعدائه بنوع من السحر كما ابتلى بالذي رماه فشجه، وابتلى بالذي ألقى على ظهره السلا وهو ساجد، وغير ذلك، فلا نقص عليهم ولا عار في ذلك، بل هذا من كمالهم وعلو درجاتهم عند الله.

قال الشنقيطي في أضواء البيان (4/60):

اعْلَمْ أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ تَأْثِيرِ السِّحْرِ فِي رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – لَا يَسْتَلْزِمُ نَقْصًا، وَلَا مُحَالًا شَرْعِيًّا حَتَّى تُرَدَّ بِذَلِكَ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ. لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ الْأَعْرَاضِ الْبَشَرِيَّةِ، كَالْأَمْرَاضِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَجْسَامِ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْبَتَّةَ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّبْلِيغِ.

قال أبو العباسِ القرطبي في المفهم ( 18/58) :

في معرضِ شرحِه لحديثِ عائشة([28]) المتقدم أول المسألة: و(قولُها: حتى كانَ يخيلُ إليهِ أنَّه يفعلُ الشيءَ ولا يفعلُه) قد جعلَ هذا بعضُ أهلِ الزيغِ مطعنًا في النبوةِ، وقال: إذا انتهى الحالُ إلى هذا لم يوثقْ بقولِ من كانَ كذلكَ.

الجوابُ: إنَّ هذا صدرَ عن سوءِ فهمٍ وعدمِ علمٍ، أمَّا سوءُ الفهمِ، فلأَنَّها إنما أرادتْ أنَّه r أُخِذَ عن النساءِ، فكانَ قبلَ مقاربةِ الجماعِ يخيلُ إليه أنَّه يتأتَّى له ذلك، فإذا لا يأتِيه لمْ ينهضْ لغلبةِ مرضٍ السحرِ عليه. وقد جاءَ هذا المعنى منصوصًا في غيرِ كتابِ مسلمٍ، فقالتْ: حتى كانَ يخيلُ إليه أنَّه يأتِي النساءِ فلا يأتيهنَّ([29])، ولو لمْ ينقلْ أنَّ ذلكَ في الجماعِ لصحَّ في غيرِه كما صحَّ فيه، فيخيلُ إليه أنَّه يُقدمُ على الأكلِ أو المشيِ مثلًا لأنَّه لا يحسُّ بمانعٍ يمنعُه منه، فإذا رامَ ذلكَ وأخذَ فيه لم يتأتَّ له ذلكَ لغلبةِ المرضِ الناشئِ عن السحرِ لا أنَّه r أوجبَ له([30]) خللًا في عقلِه، ولا تخليطًا في قولِه، إذ قد قامَ برهانُ المعجزةِ على صدقِه وعصمةِ اللهِ تعالى له عن الغلطِ فيما يبلِّغُهُ بقولِه وفعلِه.

وأمَّا عدمُ علمِ الطاعنِ: فقدْ سلبَه اللهُ تعالى العلمَ بأحكامِ النبواتِ وما تدلُّ عليه المعجزاتُ، فكأنَّهم لم يعلمُوا أنَّ الأنبياءَ من البشرِ، وأنَّه يجوزُ عليهم من الأمراضِ، والآلامِ، والغضبِ، والضجرِ، والعجزِ، والسحرِ، والعينِ وغيرِ ذلكَ ما يجوزُ على البشرِ، لكنَّهم معصومون عمَّا يناقضُ دلالةَ المعجزةِ من معرفةِ اللهِ تعالى، والصدقِ والعصمةِ عن الغلطِ في التبليغِ، وعن هذا المعنَى عبَّرَ اللهُ تعالى بقولِه: [الكهف: 110] من حيثُ البشريةُ يجوزُ عليهم ما يجوزُ عليهم ومن حيثُ الخاصةُ النبويةُ: امتازَ عنهم، وهو الذي شهدَ له العليُّ الأعلَى بأنَّ بصرَه ما زاغَ وما طغَى([31]) وبأنَّ فؤادَه ما كذبَ ما رأَى([32])، وبأنَّ قولَه وحيٌ يُوحَى وأنَّه ما ينطقُ عن الهَوَى([33]).

جاء في التوضيح شرح الجامع الصغير لابن الملقن (18/630):

قال المهلب: إنَّ ذلك السحرَ لم يضرَّه، لأنَّه لم يُفقدْه شيئًا من الوحيِ، ولا دخلت عليه داخلةٌ في الشريعةِ وإنَّما اعتراه شيءٌ من التخيُّلِ والتوهمِ، ثمَّ لم يتركْه اللهُ على ذلكَ، بل تداركَه وعصمَه وأعلمَهُ بموضعِ السحرِ وأمرَهُ باستخراجِه وحلَّ عنه، فعصمَه اللهُ تعالى من الناسِ ومن شرِّهم كما وعدَه، وكما دفعَ عنه أيضًا ضرَّ السمِّ. اهـ

قال المازريِّ في المعلم بفوائد مسلم (3/93):

وقد أنكرتْ بعضُ المبتدعةِ هذا الحديثَ من طرقٍ ثابتةٍ وزعموا أنه يحطُّ منصبَ النبوةِ ويشكِّكُ فيها، وكلُّ ما أدَّى إلى ذلكَ فهو باطلٌ، وزعمُوا أنَّ تجويزَ هذا يُعدم الثقةَ بما شرعُوه من الشرائعِ… وهذا الذي قالُوه باطلٌ، وذلكَ أن الدليلَ قد قامَ على صدقِه فيما يبلِّغُه عن اللهِ سبحانه وعلى عصمتِه فيه والمعجزةُ شاهدةٌ بصدقِه، وتجويزُ ما قام الدليلُ على خلافِه باطلٌ، وما يتعلقُ ببعضِ أمورِ الدنيا التي لم يبعثْ بسببِها ولا كان رسولًا مفضَّلًا من أجلِها هو في كثيرٍ منه عرضةٌ لما يعترضُ البشرَ، فغيرُ بعيدٍ أنْ يخيلَ إليه في أمورِ الدنيا ما لا حقيقةَ له، وقد قالَ بعضُ الناسِ إنَّما المرادُ بالحديثِ أنَّه كان يخيلُ إليه أنَّه وَطِئَ زوجاتِه([34])، وليسَ بواطئٍ….

قال القاضي عياضٌ في الشفا (2/194-196):

إنَّ هذا الحديثَ صحيحٌ متفقٌ عليه، وقد طعنتْ فيه المُلحدةُ وتدرعتْ به لسُخفِ عقولِها وتلبيسِها على أمثالِها إلى التشكيكِ في الشرعِ، وقد نزَّهَ اللهُ الشرعَ والنبيَّ r عمَّا يُدخلُ في أمرِه لبسًا، وإنما السحرُ مرضٌ من الأمراضِ، وعارضٌ من العللِ، يجوزُ عليه كأنواعِ الأمراضِ مما لا ينكرُ ولا يقدحُ في نبوتِه.

وأمَّا ما وردَ أنه كان يخيلُ إليه أنَّه فعلَ الشيءَ ولا يفعلُه، فليس في هذا ما يُدخلُ عليه داخلةً في شيءٍ من تبليغِه أو شريعتِه أو يقدحُ في صدقِه، لقيامِ الدليلِ والإجماعِ على عصمتِه من هذا، وإنَّما هذا فيما يجوزُ طرؤُه عليه في أمرِ دنياه التي لم يُبعثْ بسببِها ولا فُضِّلَ من أجلِها، وهو فيها عرضةٌ للآفاتِ كسائرِ البشرِ، فغيرُ بعيدٍ أنْ يخيلَ إليه من أمورِها ما لا حقيقةَ له ثم ينجلِي عنه كما كان … إلى أنْ قال: فقد استبانَ لكم مضمونُ هذه الرواياتِ أنَّ السحرَ إنَّما تسلطَ على ظاهرِه وجوارحِه لا على قلبِه واعتقادِه وعقلِه، وأنَّه إنَّما أثَّرَ في بصرِه، وحبسَه عن وطءِ نسائِه وطعامِه وأضعفَ جسمَه وأمرضَه.

الشبهة الثالثة: السحر من عمل الشياطين فكيف تتسلط الشياطين على النبي صلى الله عليه وسلم؟

الرد على هذه الشبهة:

قال المهلب: صون النبي صلى الله عليه وسلم من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح أن شيطاناً أراد أن يفسد عليه صلاته فأمكنه الله منه، فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض، من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر،  بل يزول ويبطل الله كيد الشياطين([35]).

قال  ابن القيم في بدائع الفوائد (2/226):

وأمَّا قولُكم إنَّ سحرَ الأنبياءِ ينافِي حمايةَ اللهِ تعالى لهم، فإنَّه سبحانه كما يحميهِم ويصونُهم ويحفظُهم ويتولاهم فيبتليهم بما شاءَ من أذى الكفارِ لهم ليستوجبُوا كمالَ كرامتِهِ، وليتسلَى بهم مَنْ بعدَهم من أممِهم وخلفائِهم إذا أوذُوا من الناسِ، فرأوْا ما جرَى على الرسلِ والأنبياءِ صبرُوا ورضُوا وتأسَوْا بهم.

ولتمتلئ صاع الكفار فيستوجبون ما أعد لهم من النكال العاجل والعقوبة الآجلة فيمحقهم بسبب بغيهم وعداوتهم فيعجل تطهير الأرض منهم، فهذا من بعض حكمته تعالى في ابتلاء أنبيائه ورسله بإيذاء قومهم وله الحكمة البالغة والنعمة السابغة لا إله غيره ولا رب سواه.

حل السحر عن المسحور وطرق الوقاية من السحر:

أنفعُ ما يستعملُ لإذهابِ السحرِ ما أنزلَ اللهُ على رسولِه في إذهابِ ذلكَ، وهما المعوَّذتان وفي الحديثِ: لَمْ يَتَعَوَّذِ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِ ([36]) وكذلكَ قراءةُ آيةِ الكرسيِّ فإنه مطردةٌ للشيطانِ([37]).([38])

قال ابنُ القيمِ: من أنفعِ الأدويةِ وأقوى ما يوجدُ من النشرةِ([39]) مقاومةُ السحرِ – الذي هو من تأثيراتِ الأرواحِ الخبيثةِ – بالأدويةِ الإلهيةِ من الذكرِ والدعاءِ والقراءةِ، فالقلبُ إذا كان ممتلئًا من اللهِ معمورًا بذكرِه وله وردٌ من الذكرِ والدعاءِ والتوجُّهِ لا يخلُّ به، كان ذلك من أعظمِ الأسبابِ المانعةِ من إصابةِ السحرِ له([40]).ا هـ

أولًا: حل السحر عن المسحور:

1- الرقى المشروعة التي جاءت في الكتاب والسنة الصحيحة:

اعْلَمْ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ الطَّبِيعِيَّةَ الْإِلَهِيَّةَ تَنْفَعُ مِنَ الدَّاءِ بَعْدَ حُصُولِهِ، وَتَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ، وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَقَعْ وُقُوعًا مُضِرًّا، وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا، وَالْأَدْوِيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ إِنَّمَا

تَنْفَعُ، بَعْدَ حُصُولِ الدَّاءِ، فَالتَّعَوُّذَاتُ وَالْأَذْكَارُ، إِمَّا أَنْ تَمْنَعَ وُقُوعَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ، وَإِمَّا أَنْ تَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَمَالِ تَأْثِيرِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ التَّعَوُّذِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ، فَالرُّقَى وَالْعُوَذُ تُسْتَعْمَلُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ، وَلِإِزَالَةِ الْمَرَضِ([41]).ا هـ

وسأذكر بعضًا من هذه الرقى مما ينفع – بإذن الله تعالى –  قبل وقوع الداء وبعد وقوعه:

منها: قراءة فاتحة الكتاب:

l عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ r أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ، فَقَالُوا: هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا، وَلاَ نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلا، فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعًا مِنَ الشَّاءِ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ القُرْآنِ، وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ، فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ، فَقَالُوا: لاَ نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ r، فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ)([42]).

قال ابنُ بطالٍ في شرح صحيح البخاري (9/429):

قال المهلبُ : في (الحمد لله) من معنى الرُّقَى شبيهٌ بمعنى ما في المعوذاتِ وهو قولُه: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) والاستعانةُ به في دعاءِ كشفِ الضرِّ وسؤالِ الفرجِ.

قال ابن القيم في زاد المعاد(4/162-164):

ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة، فما الظن بكلام رب

العالمين، الذي فضله على كل كلام كفضل الله على خلقه الذي هو الشفاء التام، والعصمة النافعة، والنور الهادي، والرحمة العامة الذي لو أنزل على جبل؛ لتصدع من عظمته وجلالته. قال تعالى: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [الإسراء: 82] …. فما الظن بفاتحة الكتاب التي لم ينزل في القرآن، ولا في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور مثلها، المتضمنة لجميع معاني كتب الله المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب – تعالى – ومجامعها، وهي الله، والرب، والرحمن، وإثبات المعاد، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة، وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق، وأنفعه وأفرضه، وما العباد أحوج شيء إليه، وهو الهداية إلى صراطه المستقيم، المتضمن كمال معرفته، وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، والاستقامة عليه إلى الممات، ويتضمن ذكر أصناف الخلائق، وانقسامهم إلى منعم عليه بمعرفة الحق، والعمل به، ومحبته، وإيثاره، ومغضوب عليه بعدوله عن الحق بعد معرفته له، وضال بعدم معرفته له….ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، وفقدت الطبيب والدواء، فكنت أتعالج بها آخذ شربة من ماء زمزم وأقرؤها عليها مرارًا، ثم أشربه فوجدت بذلك البرء التام، ثم صرت أعتمد ذلك عند كثير من الأوجاع فأنتفع بها غاية الانتفاع.

ومنها: قراءة آية الكرسي:

لأنها مطردة للشيطان؛ ففي حديث أبي هُرَيرَة لما وكله النبي صلى الله عليه

وسلم بحفظ زكاة رمضان وفيه (دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: {اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} [البقرة: 255]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ )([43]).

قال القاري في مرقاة المفاتيح (4/1462):

قيل: وإنما كانت آية الكرسي أعظم آية لاحتوائها واشتمالها على بيان توحيد الله وتمجيده وتعظيمه وذكر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكل ما كان من الأذكار في تلك المعاني أبلغ كان في باب التدبر والتقرب به إلى الله أجل

وأعظم.

ومنها: قراءة آخر آيتين من سورة البقرة:

l عن أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«من قرأ هاتين الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه»([44]).

قال ابن حجر في فتح الباري (9/56):

قوله كفتاه: أي أجزأتا عنه من قيام الليل بالقرآن وقيل أجزأتا عنه عن قراءة القرآن مطلقًا سواء كان داخل الصلاة أم خارجها، وقيل معناه أجزأتاه فيما يتعلق بالاعتقاد لما اشتملتا عليه من الإيمان والأعمال إجمالا، وقيل معناه كفتاه كل سوء، وقيل كفتاه شر الشيطان، وقيل دفعتا عنه شر الإنس والجن، وقيل معناه كفتاه ما حصل له بسببهما من الثواب عن طلب شيء آخر، وكأنهما اختصتا بذلك لما تضمنتاه من الثناء على الصحابة بجميل انقيادهم إلى الله وابتهالهم ورجوعهم إليه، وما حصل لهم من الإجابة إلى مطلوبهم.

ومنها: قراءة المعوذتين:

عن أبي سعيد «كان يتعوذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان فلما نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما»([45]).

وعن عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ r إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ فَلَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَعَلْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُهُ بِيَدِ نَفْسِهِ لأَنَّهَا كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً مِنْ يَدِي([46]).

قال النوويُّ في شرحه لمسلم  (7/438):

وفي هذا الحديثِ استحبابُ الرقيةِ بالقرآنِ وبالأذكارِ، وإنما رَقَى بالمعوذاتِ؛ لأنهنَّ جامعاتٌ للاستعاذةِ من كلِّ المكروهاتِ جملةً وتفصيلًا، ففيها الاستعاذةُ من شرِّ ما خلقَ، فيدخلُ فيه كلُّ شيءٍ، ومن شرِّ النفاثاتِ في العقدِ من شرِّ السواحرِ، ومن شرِّ الحاسدين، ومن شرِّ الوسواسِ الخناسِ، واللهُ أعلم.

قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/199):

إن لهما تأثيرا خاصًا في دفع السحر والعين وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعاذة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النَفَس والطعام والشراب

واللباس.

وقال رحمه الله في الطب النبوي (ص:134-135):

وَفِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، فَإِنَّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ تَعُمُّ كُلَّ شَرٍّ يُسْتَعَاذُ مِنْهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَجْسَامِ أَوِ الْأَرْوَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْغَاسِقِ وَهُوَ اللَّيْلُ، وَآيَتِهِ وَهُوَ الْقَمَرُ إِذَا غَابَ، تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ مَا يَنْتَشِرُ فِيهِ مِنَ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي كَانَ نُورُ النَّهَارِ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِانْتِشَارِ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ عَلَيْهَا وَغَابَ الْقَمَرُ، انْتَشَرَتْ وَعَاثَتْ.

وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ السَّوَاحِرِ وَسِحْرِهِنَّ. وَالِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ الْحَاسِدِ تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ الْمُؤْذِيَةِ بِحَسَدِهَا وَنَظَرِهَا. وَالسُّورَةُ الثَّانِيَةُ: تَتَضَمَّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَقَدْ جَمَعَتِ السُّورَتَانِ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ كُلِّ شَرٍّ، وَلَهُمَا شَأْنٌ عَظِيمٌ في الاحتراس والتحصن مِنَ الشُّرُورِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، … وَفِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِي اسْتِدْفَاعِ الشُّرُورِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ. وَقَالَ: مَا تَعَوَّذَ الْمُتَعَوِّذُونَ بِمِثْلِهِمَا. وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحِرَ فِي إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً، وَأَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِمَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً مِنْهُمَا انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، حَتَّى انْحَلَّتِ الْعُقَدُ كُلُّهَا، وَكَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ.ا هـ

ومن الرقى ما جاء في  حديث عائشة:

قَالَت عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ r، إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَال: ( َأَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا) فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللهِ  وَثَقُلَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: (اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى) قَالَتْ: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى([47]).

ومنها ما جاء في حديث أبن أبي العاص:

عن ابنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفيِّ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ r: ( ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي تَأَلَّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ. ثَلاَثًا. وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ )([48]).

قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (9/381):

فى وضع اليد على المريض تأنيس له، وتعرف لشدة مرضه؛ ليدعو له العائد على حسب ما يبدو له منه، وربما رقاه بيده، ومسح على ألمه، فانتفع العليل به …… وذلك من حسن الأدب واللطف بالعليل وينبغى امتثال أفعال النبي صلى الله عليه وسلم كلها والاقتداء به فيها.ا هـ

ومن الرقى ما جاء في حديث عائشة:

عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ r كَانَ إِذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ، أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ، قَالَ: النَّبِيُّ r بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا، وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبَّابَتَهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ رَفَعَهَا: ( بِاسْمِ اللهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، لِيُشْفَى بِهِ سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا )([49]).

قال ابن القيم في الطب النبوي (139):

وَمَعْنَى الْحَدِيثِ: أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، ثُمَّ يَضَعُهَا عَلَى التُّرَابِ، فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ، وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ، وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَيَنْضَمُّ أَحَدُ الْعِلَاجَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، فَيَقْوَى التَّأْثِيرُ.

قال النووي في شرحه لمسلم (14/184):

قال جمهور العلماء المراد بأرضنا هنا جملة الأرض، وقيل أرض المدينة خاصة لبركتها..ومعنى الحديث أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل ويقول هذا الكلام في حال المسح.ا هـ

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدري أَنَّ جِبْرِيلَ، أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ اشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: (بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ)([50]).

قال ابن كثير في تفسيره (8/537):

ولعل هذا كان من شكواه، عليه السلام، حين سحر، ثم عافاه الله تعالى

وشفاه، ورد كيد السحرة الحساد من اليهود في رءوسهم، وجعل تدميرهم في

تدبيرهم، وفضحهم.ا هـ

ومنها ما رقى به جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم:

عن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل، قال: «باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين»([51]).

قال أبو عباس القرطبي في المفهم (18/51):

دليلٌ على استحباب الرقية بأسماء الله تعالى وبالعُوَذ الصحيحةِ المعنى ، وأن ذلك لا يناقض التوكل على الله تعالى ولا ينقصه ؛ إذ لو كان شيء من ذلك لكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحق الناس بأن يجتنبَ ذلك ، فإن الله تعالى لم يزل يُرَقِّي نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المقامات الشريفة ، والدَّرجات الرَّفيعة إلى أن قبضه الله على أرفع مقام ، وأعلى حال ، وقد رُقي في أمراضه ، حتى في مرض موته ـ صلى الله عليه وسلم ، فقد رَقَتْه عائشة رضي الله عنها في مرض موته ، ومسحته بيدها وبيده ، وهو مُقرٌّ لذلك ، غير منكر لشيء مما هنالك.ا هـ

هل تجوز الرقية بغير الأدعية التي جاءت في الكتاب والسنة؟

نعم يجوز؛ للأحاديث المطلقة التي جاءت بذلك، منها:

lحديث جَابِرٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ r عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ r فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، قَالَ: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: (مَا أَرَى بَأْسًا مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ)([52]).

lوحديث عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ: (اعْرِضُوا عَلَىَّ رُقَاكُمْ لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ)([53]).

قال الشافعي:

لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله([54]).

قال ابن حجر في فتح الباري (10/195):

فما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا.

وقال أيضًا في المصدر السابق:

أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:

 أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.

 وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.

وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.

أقوال العلماء في هذه المسألة:

قال القاري في مرقاة المفاتيح (3/1125):

ومن المحذور أن تشتمل على كلام غير عربي أو عربي لا يفهم معناه، ولم يرد من طريق صحيح، فإنه يحرم كما صرح به جماعة من أئمة المذاهب الأربعة، لاحتمال اشتماله على كفر.

قال الشوكاني في تحفة الذاكرين (ص:322):

قسم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الرّقية إِلَى قسمَيْنِ رقية حق ورقية بَاطِل،

فرقية الْحق: مَا كَانَ بِالْقُرْآنِ أَو بِمَا ورد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قَوْله

أَو فعله أَو تَقْرِيره، ورقية الْبَاطِل: مَا لم تكن كَذَلِك، وعَلى الرّقية الْبَاطِل تحمل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي النَّهْي عَن الرقي، وعَلى رقية الْحق تحمل الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِالْإِذْنِ بهَا.

قال النووي في شرحه لمسلم (14/186):

والرقى المجهولة والتى بغير العربية وما لا يعرف معناها فهذه مذمومة لاحتمال أن معناها كفر أو قريب منه أو مكروه، وأما الرقى بآيات القرآن وبالأذكار المعروفة فلا نهى فيه بل هو سنة.

قال ابن عابدين في حاشية رد المحتار (6/363):

وأما ما كان من القرآن أو شيء من الدعوات فلا بأس به.

جاء في حاشية العدوي (2/492) في معرض الكلام عن الرقى:

والرقى بكتاب الله تعالى ، وبالكلام الطيب وهو العربي المفهوم، أي المفهوم معناه المحتوي على ذكر الله وما جاء عن رسوله – صلى الله عليه

وسلم – والصالحين من عباده.

جاء في البيان والتحصيل (17/118):

ولا يكون التعويذ والرقية في المرض، إلا بكتاب الله على ما جاء في ذلك عن النبي – عَلَيْهِ السَّلَامُ.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (1/362):

الرقى والعزائم الأعجمية: هي تتضمن أسماء رجال من الجن يدعون؛

ويستغاث بهم ويقسم عليهم بمن يعظمونه فتطيعهم الشياطين بسبب ذلك في بعض الأمور. وهذا من جنس السحر والشرك.

2- الدعاء:

التضرع  في الدعاء من أقوى الأسباب لرفع البلاء، قال ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز } أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ { [النمل :62]

وقال تعالى: } فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{  [الأنعام:43]

عَنْ عَائِشَةَ – رضيَ اللهُ عنها – قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ r حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ، حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا فِيهِ شِفَائِي([55]).

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (10/228):

أفتاني في أمر استفتيته فيه: أي أجابني فيما دعوته، فأطلق على الدعاء استفتاء؛ لأن الداعي طالب والمجيب مفت، أو المعنى أجابني بما سألته عنه؛ لأن دعاءه كان أن يطلعه الله على حقيقة ما هو فيه لما اشتبه عليه من الأمر.

3- النشرة:

عن سعيدِ بن المسيبِ أنَّه كان لا يرى بأسًا إذا كان بالرجلِ سحرٌ أن يمشيَ إلى من يطلقُ عنه، فقال: هو صلاحٌ.

قال قتادةُ : وكان الحسنُ يكرهُ ذلكَ، يقولُ: لا يعلمُ ذلكَ إلا ساحرٌ، قال: فقال سعيدُ بن المسيبِ: إنما نهى اللهُ عما يضرُّه ولم ينهَ عمَّا ينفعُ، وقد أخرجَ أبو داود في “المراسيل” عن الحسنِ رفعَه: النُّشْرَةُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ([56]) ووصلَه أحمدُ وأبو داودَ بسندٍ حسنٍ عن جابرٍ.

قال ابنُ الجوزيِّ : النشرةُ حلُّ السحرِ عن المسحورِ، ولا يكادُ يقدرُ عليه إلا من يعرفُ السحرَ.

وقد سُئلَ أحمدُ : عمَّن يطلقُ السحرَ عن المسحورِ فقال: لا بأسَ به، وهذا هو المعتمدُ.

ويجابُ عن الحديثِ والأثرِ بأنَّ قولَه: النُّشْرَةُ مِن الشَّيْطَانِ إشارةٌ إلى أصلِها، ويختلفُ الحكمُ بالقصدِ.

فمنْ قصدَ بها خيرًا كان خيرًا وإلا فهو شرٌّ، ثم الحصرُ المنقولُ عن الحسنِ ليس على ظاهرِه لأنَّه قد ينحلَّ بالرُّقَى والأدعيةِ والتعاويذِ، ولكنْ يحتملُ أن تكونَ النشرةُ نوعين… ويوافقُ قولَ سعيدِ بنِ المسيبِ ما تقدَّمَ في “بابِ الرُّقيةِ” في حديثِ جابرٍ عند مسلمٍ مرفوعًا: مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ ([57]) ويؤيدُ مشروعيةَ النشرةِ ما تقدمَ في حديثِ: العَيْنُ حَقٌّ ([58]) في قصةِ اغتسالِ العائنِ… وممَّن صرَّح بجوازِ النشرةِ المزنيُّ صاحبُ الشافعيِّ وأبو جعفر الطبريِّ وغيرُهما([59]).

قال البدر العيني في عمدة القاري (2/147-148):

النشرة، وهي ضرب من الرقية والعلاج يعالج به من كان يظن أن به مسًا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء أي: يكشف ويزال.

قال ابن القيم في إعلام الموقعين (4/301):

والنشرة: حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: حل سحر بسحر مثله،

وهو الذي من عمل الشيطان؛ فإن السحر من عمل فيتقرب إليه الناشر والمنتشر بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور، والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والدعوات والأدوية المباحة، فهذا جائز، بل مستحب، وعلى النوع المذموم يحمل قول الحسن ” لا يحل السحر إلا ساحر “.

جاء في فتح الباري (10/233):

ترجم البخاري باب: هل يستخرج السحر؟ وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب، أو: يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: «لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه».

قال الشنقيطي في أضواء البيان (4/57):

اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي حَلِّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ. فَأَجَازَهُ بَعْضُهُمْ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ. وَمِمَّنْ أَجَازَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (بَابُ هَلْ يُسْتَخْرَجُ السِّحْرُ) : وَقَالَ قَتَادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤْخَذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ، أَوْ يُنْشَرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الْإِصْلَاحَ. فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ اهـ. وَمَالَ إِلَى هَذَا الْمُزَنِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالنُّشْرَةِ. قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ أَيْضًا: قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَفِي كِتَابِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنْ يَأْخُذَ سَبْعَ وَرَقَاتٍ مِنْ سِدْرٍ أَخْضَرَ فَيَدُقُّهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِالْمَاءِ وَيَقْرَأُ عَلَيْهِ آيَةَ الْكُرْسِيِّ ثُمَّ يَحْسُو مِنْهُ ثَلَاثَ حَسَوَاتٍ وَيَغْتَسِلُ. فَإِنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهُ كُلُّ مَا بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَهُوَ جَيِّدٌ لِلرَّجُلِ إِذَا حُبِسَ عَنْ أَهْلِهِ انْتَهَى مِنْهُ.

وَمِمَّنْ أَجَازَ النَّشْرَةَ وَهِيَ حَلُّ السِّحْرِ عَنِ الْمَسْحُورِ: أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، وَغَيْرُهُمَا. وَمِمَّنْ كَرِهَ ذَلِكَ: الْحَسَنُ….. التَّحْقِيقُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ اسْتِخْرَاجَ السِّحْرِ إِنْ كَانَ بِالْقُرْآنِ كَالْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا تَجُوزُ الرُّقْيَا بِهِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَ بِسِحْرٍ أَوْ بِأَلْفَاظٍ عَجَمِيَّةٍ، أَوْ بِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ، أَوْ بِنَوْعٍ آخَرَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ. وَهَذَا وَاضِحٌ وَهُوَ الصَّوَابُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا تَرَى.

4- استخراج السحر وإتلافه:

ففي حديث عائشة قلت: يا رسول الله: أفلا استخرجته؟ قال: «قد عافاني الله، فكرهت أن أثور على الناس فيه شرًا» فأمر بها فدفنت([60]).

وفي رواية: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم البئر حتى استخرجه([61]).

قال ابن القيم في بدائع الفوائد (2/223):

فهذان الحديثان قد يظن في الظاهر تعارضهما؛ فإن حديث عيسى عن هشام عن أبيه الأول فيه أنه لم يستخرجه، وحديث ابن جريج عن هشام فيه أنه استخرجه، لا تنافي بينهما فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعلمه ثم دفنه بعد أن شفي، وقول عائشة رضي الله عنها هلا استخرجته أي هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه، فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار، ويغضب للساحر قومُه، فيحدث الشر، وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة، فأمر بها فدفنت ولم يستخرجها للناس، فالاستخراج الواقع غير الذي سألت عنه عائشة، والذي يدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم إنما جاء إلى البئر ليستخرجها منه ولم يجيء إليه لينظر إليها ثم ينصرف إذ لا غرض له في ذلك والله أعلم.

قال النووي في شرح مسلم (14/178):

هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها وهو من أهم قواعد الإسلام.

ثانيًا: طرق الوقاية من السحر:

ينبغي على العاقل أن يقي نفسه من كل شر وسوء بالأسباب الشرعية فهو أيسر من العلاج بعد وقوع الضر، ومن هذه الطرق التي يقي بها نفسه:

1- قراءة سورة البقرة:

عن أبي أمامة الباهلي،  «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه، اقرءوا الزهراوين البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة»([62]).

وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لا تجعلوا

بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة»([63]).

2- التصبح بسبع تمرات من تمر المدينة:

عن سعد بن أبي وقاص، يقول: سمعت سعدًا، يقول: سمعت رسول الله

صلى الله عليه وسلم يقول: «من تصبح بسبع تمرات عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم، ولا سحر»([64]).

وفي رواية: «من أكل سبع تمرات مما بين لابتيها حين يصبح، لم يضره سم حتى

يمسي»([65]).

وفي رواية: «إن في عجوة العالية شفاء – أو إنها ترياق – أول البكرة»([66]).

ويحمل المطلق على المقيد كما هو قول جماهير العلماء  ويقيد بتمر المدينة.

قال الشنقيطي في مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر (ص231):

إذا اتحد السبب والحكم وجب حمل المطلق على المقيد خلافًا لأبي حنيفة([67]).اهـ

وقال ابن اللحام  في المختصر في أصول الفقه (ص:125). في معرض كلامه عن المطلق والمقيد:

وَإِن لم يخْتَلف حكمهمَا فَإِن اتَّحد سببهما وَكَانَا مثبتين نَحْو أعتق فى الظِّهَار

رَقَبَة ثمَّ قَالَ أعتق رَقَبَة مومنة حمل الْمُطلق على الْمُقَيد، ذكره أَبُو البركات إِجْمَاعًا.

قال الحافظ في فتح الباري (10/240):

قال القرطبي: ظاهر الأحاديث خصوصية عجوة المدينة بدفع السم وإبطال السحر والمطلق منها محمول على المقيد وهو من باب الخواص التي لا تدرك

بقياس ظني.

قال النووي في شرحه لمسلم (14/3):

في هذه الأحاديث فضيلة تمر المدينة وعجوتها وفضيلة التصبح بسبع تمرات منه وتخصيص عجوة المدينة دون غيرها وعدد السبع من الأمور التى علمها الشارع ولانعلم نحن حكمتها فيجب الإيمان بها واعتقاد فضلها والحكمة فيها وهذا كأعداد الصلوات ونصب الزكاة وغيرها فهذا هو الصواب في هذا الحديث.

3- كثرة ذكر الله والحفاظ على أذكار اليوم والليلة:

منها سورة البقرة – كما تقدم – والقرآن عامة، والحفاظ على أذكار الصباح والمساء، وخاصة قول ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) في أذكار الصباح، والحفاظ على أذكار النوم، وخاصة قراءة آية الكرسي وقد تقدم فضلها أنها تحفظ من الشيطان، وبالجملة كلما كان العبد قريبًا من الله بعيدًا عن المعاصي فإن الله تعالى يصرف عنه كل سوء وكل شر؛ قال تعالى {  كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } يوسف:14

ÿ مسألة: حكم حل السحر بمعاونةِ قسيس أو ساحر أو كاهن أو الاستعانة بالجن المسلم؟

لا يجوزُ حلُّ السحرِ عن المسحورِ بمعاونةِ قسيسٍ أو ساحرٍ أو كاهنٍ أو استخدامِ الجنِّ، كلُّ ذلكَ من أعمالِ الكفرِ([68])، وقد تقدمَ بيانُ أنَّ حلَّ السحرِ يكونُ بالأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ من الكتابِ والسُّنَّةِ، فالذي يكشفُ الضرَّ هو اللهُ سبحانه قال جلَّ وعلا: [الأنعام: 17]، و[يونس: 107].

فالنشرةُ المشروعةُ التي تكون بالرُّقَى والأدعيةِ والتعاويذِ من الكتابِ أو السُّنَّةِ.

ولا يجوز حل السحر عن المسحور بالاستعانة بالجن المسلم؛ لأن الله تعالى لم يأمر بذلك أمر إيجاب ولا استحباب، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، والجن لا يُعلم كذبهم من صدقهم.

 قال الله تعالى : (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) الجن: [ 6 ]

 وقال تعالى ذكره: (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا  وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ  فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ) [الأنعام: 112 ]

قال ابن كثير في تفسيره (2/59) :

قوله تعالى : (يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا) أي: يلقي بعضهم إلى بعض القول المزين المزخرف وهو المزوق الذي يغتر سامعه من

الجهلة بأمره.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ( 13 / 89 ) :

والنبي صلى الله عليه وسلم لما تفلت عليه العفريت ليقطع عليه صلاته قال: {فأخذته فَذَعَتُّهُ حتى سال لعابه على يدي وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد ثم ذكرت دعوة أخي سليمان فأرسلته} فلم يستخدم الجن أصلًا؛ لكن دعاهم إلى الإيمان بالله وقرأ عليهم القرآن وبلغهم الرسالة وبايعهم كما فعل بالإنس.

 حكم الكهانة وإتيان الكهان:

الكهانةِ وإتيانُ الكهانِ حرام.

lقَالَ رَسُولُ الله r: مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ([69]).

l وفى روايةٍ: “مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ”([70])

l عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا في الجَاهِلِيَّة: كُنَّا نَأْتِي الكُهَّانَ، قَال فَلا تَأْتُوا الكُهَّانَ ([71]).

قال النووي في شرحه لمسلم (7/485).

قال القاضي: كانت الكهانةُ في العربِ ثلاثةَ أضربٍ:

أحدَها: أن يكونَ للإنسانِ وليٌّ من الجنِّ يخبرُه بما يسترقُه من السمعِ من السماءِ، وهذا القسمُ بطلَ من حينِ بعثَ اللهُ النبيَّ .

الثاني: أن يخبرَه بما يطرأُ أو يكونُ في أقطارِ الأرضِ، وخفيَ عنه مما قَرُبَ أو بَعُدَ، وهذا لا يبعدُ وجودُه.

الثالثَ: المُنَجِّمُون، وهذا الضربُ يخلقُ اللهُ تعالى فيه لبعضِ الناسِ قوةً ما، لكنَّ الكذبَ فيه أغلبُ.

ومن هذا الفنِّ: العِرافةُ، وصاحبُها عرَّافٌ، وهو الذي يستدلُّ على الأمورِ بأسبابٍ ومقدماتٍ يدَّعِي معرفتَه بها، وقد يعتضدُ بعضُ هذا الفنِّ ببعضٍ في ذلك، بالزجرِ والطرقِ والنجومِ، وأسبابٍ معتادةٍ، وهذه الأضربُ كلُّها تسمَّى كهانةٌ، وقد أكذبَهم كلَّهم الشرعُ، ونهى عن تصديقِهم وإتيانِهم.

الأدلةُ على أنَّ الغيبَ لا يعلمُه إلا اللهُ تعالى:

من اعتقدَ أنَّ أحدًا يعلمُ الغيبَ – سواءٌ أكان جنًّا أم إنسًا – فقد كذب القرآنَ؛ لأنَّ في هذا الادعاءِ تكذيبًا للقرآنِ.

lقال اللهُ تبارك وتعالى: وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ  [الأنعام: 59].

وقال جلَّ ذكرُه: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

[النمل: 65].

وقال اللهُ تعالى لرسولِه :

قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

[الأنعام: 50].

 وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ _ أي: ولا أقولُ لكم إنِّي أعلمُ الغيبَ إنَّما ذاك من علمِ اللهِ جلَّ وعلا، ولا أطَّلعُ منه إلا على ما أطْلعَني عليه([72]).قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [الأعراف: 188].

تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا

[الجن: 26].

قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (14/150):

وقولُه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا يعني بعالمِ الغيبِ: عالمِ ما غابَ عن أبصارِ خلقِه، فلم يرَوْهُ، فلا يظهرُ على غيبِه أحدًا، فيعلمُه أو يريهِ إياهُ، إلا منْ ارتضَى من رسولٍ، فإنَّه يظهرُه على ما شاءَ من ذلكَ، وبنحوِ الذي قلنَا في ذلكَ قالَ أهلُ التأويلِ.

وقال جلَّ ثناؤُه: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ

 [سبأ: 14].

قال ابنُ الجوزيِّ في زاد المسير (6/441):

قال المفسرون: كانت الإنسُ تقولُ إنَّ الجنَّ تعلمُ الغيبَ الذي يكونُ في غدٍ، فوقفَ سليمانُ في محرابِه متوكئًا على عصاه فماتَ فمكثَ كذلكَ حولًا والجنُ تعملُ تلك الأعمالَ الشاقةَ ولا تعلمُ بموتِه حتى أكلت الأرضةُ عصَا سليمانَ فخرَّ فعلمُوا بموتِه، وعلمَ الإنسُ أنَّ الجنَّ لا تعلمُ الغيبَ.

قال السعديُّ في تسيير الكريم الرحمن (ص: 677):

فلم يزلْ الشياطينُ يعملونَ لسليمانَ عليه الصلاةُ والسلامُ كلَّ بناءٍ، وكانوا قد موَّهوا على الإنسِ وأخبروهم أنَّهم يعلمونَ الغيبَ ويطَّلعُون على المكنوناتِ، فأرادَ اللهُ تعالى أن يُرِيَ العبادَ كذبَهم في هذه الدعوى، فمكثُوا يعملونَ على عملِهم، وقضى اللهُ الموتَ على سليمانَ عليه السلامُ، واتكأَ على عصاه وهي المنسأةُ، فصارُوا إذا مرُّوا به وهو متكئٌ عليها ظنُّوه حيًّا وهابُوه، فغدَوْا على عملِهم كذلكَ سنةً كاملةً على ما قيل حتى سُلِّطتْ دابةُ الأرضِ على عصاه، فلم تزلْ ترعاهَا حتى بادَ وسقطَ، فسقطَ سليمانُ عليه السلامُ وتفرَّقت الشياطينُ، وتبيَّنتْ الإنسُ أن الجنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ وهو العملُ الشاقُّ عليهم.

قال ابنُ أبي العزِّ في شرح العقيدة الطحاوية (ص: 501 – 502):

ولا نصدِّقُ كاهنًا ولا عرافًا، ولا من يدَّعِي شيئًا يخالفُ الكتابَ والسُّنَّة وإجماعَ الأمَّةِ.

قال أبو جعفرٍ الطحاويُّ: وفي الصحيحِ عنه r قال: ثَمَنُ الْكَلْبِ حَرَامٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ حَرَامٌ وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ خَبِيثٌ ([73]).

وحلوانُه: الذي تسميه العامةُ: حلاوتَه.

ويدخلُ في هذا المعنى ما يُعطَاهُ المنجمُ وصاحبُ الأزلامِ التي يُستقسمُ بها، مثلَ الخشبةِ المكتوبِ عليها “ا ب ج د” والضاربِ بالحصى، والذي يخطُّ في الرملِ، وما يُعطاه هؤلاءِ حرامٌ، وقد حَكَى الإجماعَ على تحريمِه غيرُ واحدٍ من العلماءِ، كالبغويِّ والقاضِي عياضٍ وغيرِهما.

وفي صحيحِ البخاريِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلاَمٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الغُلاَمُ: أَتَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ([74]).

والواجبُ على وليِّ الأمرِ، وكلِّ قادرٍ أنْ يسعَى في إزالةِ هؤلاءِ المنجمينَ والكهانِ والعرافينَ وأصحابِ الضربِ بالرملِ والحصى والقرعِ والغالاتِ، ومنعِهم من الجلوسِ في الحوانيتِ والطرقاتِ، أو أن يدخلُوا على الناسِ في منازلِهم لذلك، ويكفِي منْ يعلمُ تحريمَ ذلكَ ولا يسعَى في إزالتِه – مع قدرتِه على ذلك – قولُه تعالى: كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ  [المائدة: 79]، وهؤلاء الملاعينُ يقولون الإثمَ ويأكلون السحتَ بإجماعِ المسلمين.

رميُ النجومِ للشياطينِ عندَ استراقِ السمعِ: قال اللهُ تعالى:

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16)وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ(17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ(18)

[الحجر: 16 – 18].

قال ابنُ كثيرٍ في تفسيره (2/545 – 546) :

وجعلَ الشهبَ حرسًا من مردةِ الشياطينِ لئلا يسمعُوا إلى الملأِ الأعلى، فمنْ تمردَّ وتقدَّمَ منهم لاستراقِ السمعَ جاءه شهابٌ مبينٌ فأتلفَه، فربَّما يكونُ قد ألقَى الكلمةَ التي سمعَها قبلَ أنْ يدركَه الشهابُ إلى الذي هو دونَه، فيأخذَها الآخرُ ويأتيَ بها إلى وليِّه كما جاءَ مصرَّحًا به في صحيحِ البخاريِّ في تفسيرِ هذه الآيةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ r قَالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَالسِّلْسِلَةِ عَلَى صَفْوَانٍ – قَالَ عَلِيٌّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوَانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ – فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ، قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا وَاحِدٌ فَوْقَ آخَرَ – وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدِهِ اليُمْنَى، نَصَبَهَا بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ – فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِهَا إِلَى صَاحِبِهِ فَيُحْرِقَهُ، وَرُبَّمَا لَمْ يُدْرِكْهُ حَتَّى يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ، حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الأَرْضِ – وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ – فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُصَدَّقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ كَذَا وَكَذَا، فَوَجَدْنَاهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ. ([75]).

قال ابنُ الملقنِ في التوضيح (22/ 513، 514):

والاستثناءُ في قولِه: إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ – منقطع أو إِلا  بمعنَى لكنْ أو متصلٌ، أيْ حفِظنا السماءَ من الشياطينِ أن تسمعَ شيئًا من الوحيِ وغيرِه إلا من استرقَه، فإنَّا لم نحفظْها منه أنْ يسمعَه إلا الوحيَ، لقولِه: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشعراء: 212]… وفي روايةٍ قال: فإذا سمعَ الشيطانُ شيئًا فإنَّه يلقيه إلى الكاهنِ في أسرعِ من طرفةِ عينٍ، فإنْ لحقَه الشهابُ قبلَ أنْ يومئَ بالكلمةِ إلى صاحبِه فيحرقَهُ، وما لم يدركْه حتى يرميَ بها إلى الذي يليه حتى

يلقوها إلى الأرضِ فيكذبَ عليها مائةَ كذبةٍ ويصدقَ في واحدةٍ([76]).

ثم قيل: إنَّ الشهابَ كواكبُ تضيءُ، قالَ تعالى: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ 6 وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ  [الصافات: 6 – 7]، وسُميَ شهابًا لبريقِه وشبهِه بالنارِ، وقيل: بل الشهابُ شعلةُ نارٍ.

 حكم قراءة الكف والفنجان وحظك اليوم:

قراءة الكف والفنجان وحظك اليوم من الكهانة التي يزعم بها الإنسان أنه يعلم الغيب، فكلُّ عملٍ يدَّعِي فيه الإنسانُ معرفةَ الغيبِ فهو من بابِ الكهانةِ المحرمةِ؛ لأنَّ فحواها ادعاءُ معرفةِ الغيبِ، وقد تقدم بيان حكم الكهانة، وههاهنا أذكر أقوال العلماء في هذه المسألة:

عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس علما من النجوم، اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» ([77]).

قال الشوكاني في نيل الأوطار (7/216):

قال ابن رسلان في شرح السنن: والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم

يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه، قال: وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه التحدث بمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار.

وقوله: (زاد ما زاد): أي زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر، والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر. وقد علم أن أصل علم السحر حرام والازدياد منه أشد تحريما فكذا الازدياد من علم التنجيم.ا هـ

قال السعدىُّ في القول السديد ( ص 77-78):

إنَّ اللهَ المنفردَ بعلمِ الغيبِ، فمن ادَّعى مشاركةَ اللهِ في شىءٍ من ذلك بكهانةٍ أو عرافةٍ أو غيرِها أو صدَّق من ادَّعى ذلك فقد جعلَ للهَ شريكًا فيما هو من خصائصِه، وقد كذَّبَ اللهَ ورسولَه.

قال الشنقيطىُّ أضواء البيان (2/197):

لمَّا جاءَ القرآنُ العظيمُ بأنَّ الغيبَ لا يعلمُه إلا اللهُ، كان جميعُ الطرقِ التي يُرادُ بها التوصلُ إلى شيءٍ من علمِ الغيبِ غيرَ الوحيِ من الضلالِ المبينِ.

تم بحمد الله تعالى

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

مشاركة :
القائمة