هل الاحتفال بعيد الأم بدعة؟

كتبته: د/عزة محمد رشاد (أم تميم)

 

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:

قبل أن نشرع في الجواب على السؤال, ينبغي أولًا أن نبين حق الأم في الإسلام.

– ذكر بعض الأدلة من الكتاب والسنة على حق الأم:

 1- قال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) الإسراء: 23

 2- وقال تعالى ذكره: (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا…) لقمان: 15

 3- وقال تعالى: عن عيسى عليه السلام: ” وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا” مريم:32

. فنفى عنه الجبروت والشقاء ببره بوالدته ..

: – أما السنة فالأدلة كثيرة جدا, منها

 1- حديث ابن مسعود رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما, أنه قال: (سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم:أيُّ العملِ أحبُّ إلى اللهِ؟ قال:الصلاةُ على وقتِها قال: ثم أيُّ؟ قال: ثم برُّ الوالديْن…) البخاري واللفظ له5970, مسلم 85

 2- وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (جاء رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فاستأذنهُ في الجهاد، فقال : (أحَيٌّ والِداكَ( . قال : نعم، قال : (فَفِيهِما فَجاهِد) البخاري واللفظ له 3004, مسلم 2549

 3- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ اللهِ، من أحقُّ الناسِ بحُسنِ صَحابتي؟ قال: أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أُمُّك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك.) البخاري 5971, مسلم 2548

وغير ذلك من الأدلة الدالة على فضل بر الأم والتي لا يتسع المقام لسردها

 – وبناء على ما تقدم, فلا ينبغي للمسلم أن يحصر بر الأم في إكرامها يومًا في العام, فحقها أعظم من ذلك بكثير, فحريّ بالمسلم أن يسعى لبر أمه على مدار السنة كلها. بالكلمة الطيبة تارة, وبالهدية تارة, وبإدخال السرور على قلبها تارة, ما استطاع إلى ذلك سبيلًا في كل وقت وحين.

 – وعن أبى بردة؛ أنه شهد ابن عمر، ورجلٌ يمانيٌ يطوف بالبيت – حمل أمه وراء ظهره – يقول: إني لها بعيرها المذلل , إن أذعرت ركابها لم أذعر. ثم قال: يا ابن عمر، أتراني جزيتها؟، قال: لا. ولا بزفرة واحدة، …) صحيح الأدب المفرد 9, زفرة : أي طلقة

 هل الاحتفال بعيد الأم بدعة؟

  • • قبل الجواب, لا بد من تأصيل وتفصيل علمي هاديء, حتى نصل إلى الحق الذي يرضي ربنا

وهذا أمر غاية في الأهمية ينبغي أن يحرص كل مسلم على تعلمه, ألا وهو معرفة الدليل الشرعي في أي عمل أبتغي به وجه الله تعالى, وإليك تأصيل المسألة:

أولًا: لا بد أن نفرق بين البدعة وبين العادة, فالبدع كلها ضلال محرمة, بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وكل بدعة ضلالة) مسلم 867

  • قال علماء الأصول واللغة: كل من ألفاظ العموم, إذا دخلت على نص عم فيه الحكم, أي لا يستثنى منه شيئًا, وبناء على هذه القاعدة: فكل بدعة ضلالة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  • قد يقول شخص: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (نعم البدعة هذه)

البخاري 2010, مسلم 761

 الرد ابتداءً, ما كان الفاروق عمر بن الخطاب أن يقول قولًا يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 وإنما قال عمر ذلك لما أمر أبي بن كعب أن يجمع الناس ويصلي بهم التراويح في رمضان جماعة, وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك, فقد ورد في الحديث فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت :

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة، من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد ثم قال: «قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا..»البخاري1012.

 وبالتالي فالذي فعله عمر رضي الله عنه فعله النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وتركه لعلة زالت بموته صلى الله عليه وسلم فلا دليل في ذلك على أن من البدع ما هو حسن، بل كما قال صلى الله عليه وسلم 《كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ》.

 فالحكم يدور مع علته وجوبًا وانتفاءً, إذا انتفت العلة فقد انتفى الحكم, فهذا معنى قول عمر (نعم البدعة) أنه أراد المعنى اللغوي لا الشرعي, لأن أُبي أحيا سنة, ولم يأت بسنة جديدة من عنده, وهذا كقول رسول الله صلى الله عله وسلم (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ…) مسلم1017

.. أي من أحيا سنة قد تركها الناس وليس المعنى من سن من عنده

سنة لم يشرعها الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومما تقدم يتبين الآتي :

 أن كل شئ لم يشرعه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم – إن كان يتعبد به – فهو بدعة بإجماع العلماء

 ثانيًا: العادة, الأصل في العادة الإباحة ما لم يأت نص بالتحريم

نوضح هذه القاعدة الفقهية, أي أن للإنسان أن يعيش ويأكل ويلبس ما يشاء من العادات ما لم يصادم هذا الفعل نص من القرآن أو السنة.

مثال: اركب سيارة – اشتري أحدث الأجهزة – البس ما تريد, كل ذلك من العادات ليس لها تعلق بالدين – ولكن كما قلت شرط أن لا يعارض نص من القرآن والسنة.

فلا يأتي شخص ويلبس ملابس تكشف العورة ويقول أنا حر, فهذا لا يجوز.

: الخلاصة  

العادات من الأكل واللبس والسكن وكل ما اخترعه الغرب من كهرباء وسيارات وطيارات كل ذلك لا يدخل فيه البدعة لأنها أمور دنيوية لا علاقة بها بالتشريع.

وهذا فرق غاية في الأهمية, وأكثر من اعترض على البدعة احتج به

 يقول: أنتم تقولون هذه بدعة, وهذه بدعة, إذا لا تركب السيارة, ولا تستعمل الكهرباء, ولا تلبس الجديد لأن هذه الأشياء لم تكن على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا خطأ في الفهم يجب أن يُصحح, فيعلم الفرق بين البدعة وبين العادة.

 ثالثا: عيد الأم هل هو من البدع أم العادات المباحة؟

 قبل الجواب على السؤال, لا بد من تأصيل غاية في الأهمية أيضا به يحل الإشكال, ألا وهو: هل الأعياد من الشريعة أم هي من العادات؟

 الجواب: الأعياد من الشريعة بنص القرآن والسنة, قال تعالى: (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) الحج: 67،

  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية ••

 إن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه فيها (لِّكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) الحج: 67, كالقبلة والصلاة والصيام….. إلى أن قال: بل الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع . انظر اقتضاء الصراط المستقيم (١/٤٨٥ )

 وقد روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال، قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يعلبون فيهما فقال «مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ) سنن أبي داود 1134

 فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يُقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة, بل قال ( إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمَ الْأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ ), الإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه؛ ولهذا لا تُستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما.

 إذا علمت هذا, فعليك التمسك بالسنة. وترك مشابهة الغرب, فهؤلاء العقوق والشح والبخل متفشي فيهم, ألم تتسائل لماذا كل فرد في الغرب لابد أن يقتني كلبًا؟ لأن ابنه يترك له البيت وهو في الثالثة عشر من عمره, فلا رابط أسري, ولا بر والدين, ولا صلة أرحام, فيجد الإنسان نفسه وحيدًا, فيضطر أن يأخذ الحنان من الكلب الذي هو عنده أوفى من ابنه, ولذلك خصصوا يومًا لليتيم, ويومًا للأم, لأن العطاء عندهم ضعيف لا يستطيع أحدهم أن يكون معطاءً بارًا على مدار العام, فاختصروا حق الأم في يوم, أما أنت أيها المسلم فقد علمت حق أمك عليك كما وضحنا…

 وبناء على ما تقدم من أدلة على أن الأعياد من التشريع الذي هو حق لله وحده, فعيد الأم ليس له أصل في الشريعة ومن ثم فهو بدعة, فإذا أردت بر أمك فكما بينا في أول المسألة.

أسأل الله لنا ولكم السداد والرشاد والتوفيق لكل ما يحب ربنا ويرضى

القائمة