توضيح مهم

أولًا: من قرأ هذا البحث قراءة جيدة علم أني أُفند شبهات من قال بتناسب جميع آي الكتاب وسوره من أول الفاتحة إلى سورة الناس، وقد ذكرت ذلك صريحًا في ثنايا البحث([1]).

وقد أثنى على البحث فضيلة الشيخ العلامة أبو إسحاق الحويني، وتسجيله الصوتي على موقعي.

ثانيًا: قد يكون بين بعض الآيات وبعض السور تناسبًا -بغير تكلف- وهذا يعلمه العلماء الربانيون السائرون على منهج السلف الصالح، فلا يجوز لأحد كائنًا من كان أن يتدبر القرآن بالرأي والظن.

قال شيخ الإسلام: فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام… ثم ساق جملة من الأحاديث التي تدل على هذا المعنى، منها: قول رسول الله: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَـبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([2])، وغير ذلك من الأدلة التي ذكرتها في البحث([3]).

ثالثًا: من الكتب التي ينبغي لطالب العلم أن يقرأها ليعلم الحق في طُرق تفسير وتدبر القرآن «مقدمة في التفسير» لشيخ الإسلام ابن تيمية.

مقدمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، أما بعد:

فلا ريب أن كل مؤمن محب لكتاب الله تبارك وتعالى، والعلماء على مدار الأزمنة والعصور يجتهدون لاستخراج كنوز القرآن العظيم، ولكل منهم طريقته التي سلكها للوصول إلى بغيته، مع التزام علماء أهل السنة بما جاء عن النبي وأصحابه والتابعين لهم بإحسان في تفسير القرآن وتدبره، ومن المعلوم أن الاجتهاد مقبول من أهل العلم ما لم يكن يخالف نص الكتاب أو السنة؛ كما تقرر في الأصول، وقد نزل الله -جلَّ وعلا- القرآن بلسان عربي مبين على رسولنا ليبين للناس ما أنزل إليهم ربهم في كتابه العزيز.

وقلوب المؤمنين تهفو لفهم وتدبر كتاب ربها تبارك وتعالى، وقد يحمل هذا الحب البعض إلى اتباع منهج في التدبر ليس مما جاء عن النبي ولا الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا- ولا التابعين ولا من تبعهم على نهجهم وفهمهم إلى يومنا هذا، ومن هذه المناهج ما يسمى بعلم المناسبات بين الآي والسور.

ونشرع هاهنا في بيان عدة أمور ليتبين لنا الحق في مسألة علم المناسبات.

أولها: أمر الله تعالى عباده بتدبر القرآن، وفهمه، والعمل به:

قال الله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب ﴾ [ص].

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في معرض تفسيره للآية:

ليتدبروا حُجج الله التي فيه، وما شرع فيه من شرائعه -فيتعظوا ويعملوا به- … ﴿ وليتذكر أولو الألباب ﴾ يقول: وليعتبر أولو العقول والحجا ما في هذا الكتاب من الآيات، فيرتدعوا عما هم عليه مقيمين من الضلالة، وينتهوا إلى ما دلهم عليه من الرشاد وسبيل الصواب([4]). انتهى.

وقال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد].

قال الشنقيطي رحمه الله: وما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله جاء موضحًا في آيات كثيرة … وذكرة جملة من الآيات([5]). انتهى.

الشاهد: ولا يمكن الاتعاظ والاعتبار بما في القرآن والعمل به إلا بعد فهم معانيه، ومعرفة أحكامه وأوامره ونواهيه، ومحكمه ومتشابهه، وغير ذلك.

الثاني: أول من علم البشر القرآن وعلومه هو رسول الله:

لما أمر الله عباده بتدبر القرآن كان لزامًا أن يعلمهم رسول الله كيف يتدبرون القرآن عملًا بقوله تعالى: ﴿ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44﴾ [النحل].

قال السعدى رحمه الله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْر ﴾ أي: القرآن الذي فيه ذكر ما يحتاج إليه العباد من أمور دينهم ودنياهم الظاهرة والباطنة، ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ وهذا شامل لتبيين ألفاظه وتبيين معانيه…

قال شيخ الإسلام رحمه الله: يجب أن يعلم أن النبي بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله: ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ يتناول هذا وهذا.

وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي: «حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن؛ كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا»([6])، ولهذا كانوا يبقون مدة في حفظ السورة([7]).

الثالث: أفضل من فسر القرآن بعد رسول الله الصحابة ثم أكابر التابعين الذين أخذوا العلم من الصحابة:

قال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جلَّ في أعيننا([8]).

قال شيخ الإسلام: وأقام عمر على حفظ البقرة عدة سنين، قيل: ثماني سنين، ذكره مالك، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ [ص: 29]، وقال: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ )[النساء: 82]، وقال: ﴿ أفلم يدبروا القول ﴾ [المؤمنون: 68]، وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن.

وكذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ﴾ [يوسف]، وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.

وأيضًا؛ العادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فن من العلم؛ كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم([9]).

ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها»([10])، ولهذا قال الثوري: «إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به».

ولهذا يعتمد على تفسيره: الشافعي، والبخاري، وغيرهما من أهل العلم، وكذلك الإمام أحمد، وغيره ممن صنف في التفسير، يكرر الطرق عن مجاهد أكثر من غيره.

والمقصود أن التابعين تلقوا التفسير عن الصحابة؛ كما تلقوا عنهم علم السُّنَّة([11]).

وعن عبد الله بن مسعود ﭬ قال: «وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلاَ أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللَّهِ، تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ»([12]).

وعن شقيق بن سلمة قال: خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَمَا أَنَا بِخَيْرِهِمْ»، قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ فِي الحِلَقِ أَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَمَا سَمِعْتُ رَادًّا يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ([13]).

قال الطبري رحمه الله في معرض رده على من قال: إن النبي لم يفسر القرآن كله:

ولو كان تأويل الخبر عن رسول الله -أنه كان لا يفسِّر من القرآن شيئًا إلا آيًّا تُعدّ- هو ما يسبق إليه أوهام أهل الغباء، من أنه لم يكن يفسر من القرآن إلا القليل من آيه، واليسير من حروفه، كان إنما أُنزل إليه الذكر ليترك للناس بيان ما أُنزل إليهم لا ليُبين لهم ما أنزل إليهم([14]).

الرابع: طرق التفسير المعتبرة عند السلف ومن تبعهم من الأئمة، وهي أربع:

القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بآثار الصحابة، ثم بأقوال التابعين، وظل الأمر على ذلك، يتناقله السلف قرنًا بعد قرنٍ، لا يزيدون فيه ولا ينقصون، ولا يخترعون.

إلا ما دعت إليه الحاجة إلى زيادة بيان وتفصيل، أو ترجيح بين المأثور والمنقول عن السلف الأولين.

ومن زاد من علماء أهل السنة في تفسيره شيئًا، فإنما هو أمر خارج عن التفسير؛ كالتوسع في علوم النحو والبلاغة، أو في اختلاف القراءات، أو في ذكر الأحكام الفقهية، ونحو ذلك.

ولكنهم التزموا عند بيان المعنى المراد من كلام الله تعالى، وما أثر عن الصحابة والتابعين.

قال شيخ الإسلام: فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يُفسر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان فإنه قد فُسِّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر.

فإن أعياك ذلك، فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن، وموضحة له.

بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا(105) ﴾ [النساء].

وقال تعالى: ﴿  وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)[النحل].

وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ ۙ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64﴾ [النحل].

ولهذا قال رسول الله ﷺ: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»([15])، يعني السنة، والسنة أيضًا تنزل عليه بالوحي كما ينزل القرآن، لا أنها تتلى كما يُتلى.

وقد استدل الإمام الشافعي وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة، وليس هذا موضع ذلك ….. إلى أن قال: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة.

فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم؛ كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، وعبد الله بن مسعود ….. ثم ساق جملة من الآثار كما تقدم([16]).

وقال أيضًا رحمه الله: إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين؛ كمجاهد بن جبر ….. وساق أثر مجاهد كما تقدم([17]).

الخامس: ما وقع من مخالفة للصحابة ومن بعدهم في تفسير القرآن:

اخترع بعد القرون الثلاثة المفضلة، التفسير بالإشارات الصوفية، والعبارات الكلامية والفلسفية، وغير ذلك مما يدخل في حيز الرأي والظن، الذي لم تسلم من دخنه علوم الشريعة كلها([18]).

السادس: ما يُسمى علم تناسب القرآن وسوره:

معنى المناسبة لغةً: المقاربة، وفلان يناسب فلانًا، أي: يقرب منه ويشاكله، ومنه النسيب الذي هو القريب المتصل؛ كالأخوين، وناسبه شَرِكَه في نسبه([19]).

وفي الاصطلاح: علم تعرف منه علل ترتيب أجزاء القرآن، وارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، ومعرفة المناسبة في فواتح السور وخواتيمها، والحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة([20]).

والمناسبة بين بداية السورة وخاتمة السورة التي قبلها، وبداية السورة وخاتمتها، إلى غير ذلك.

فزعموا أن الآيات والسور المتتابعة والمتوالية لها تناسب وتوافق مطرد في كل القرآن، من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس.

واعلم أن هذا العلم (المناسبات) لم يُعرف إلا بعد مضي القرون المفضلة.

فأول من صنف في علم المناسبات، وأَوْلَى له عناية كبيرة، وانتصر له:

1- أبو بكر النيسابوري (ت: 324هـ).

2- الفخر الرازي (ت: 606 هـ).

3- أبو الحسن الحَرَّالي (ت: 637 هـ).

4- برهان الدين البقاعي (ت: 885 هـ).

5- السيوطي (ت: 911 هـ).

6- سيد قطب (ت: 1966م).

ثم تتابع عليه بعض المعاصرين، وشاع ذكره بين الدارسين في علم التفسير، وأخذوا ينوهون به ويعظمون من شأنه، وجُلُّ من صنف فيه -ممن سبق ذكر بعضهم- لم يكونوا على منهج السلف في الإيمان والاعتقاد.

بل هم ممن تلقف علم الكلام، وانتحل مقالات الأشعرية والمعتزلة والصوفية وغيرهم.

وعلمٌ ينفرد بتأسيسه والتصنيف فيه: الرازي، والبقاعي، والسيوطي،
-ويعرض عنه أكابر من سبقهم ومن عاصرهم ممن سار على نهج علماء السلف- لا خير فيه.

وأذكر هاهنا أدلة شافية كافية لرد هذا المنهج:

أولاً: نزول القرآن منجمًا:

من المعلوم أن القرآن لم ينزل جملة واحدة على رسول الله ﷺ، بل نزل منجمًا مفرقًا.

قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32 ﴾ [الفرقان].

فكانت تنزل الآية والآيتان والآيات من السورة، ثم ينزل بعدها آيات أُخر من سورة أُخرى قبل أن تكمل السورة السابقة، وربما تنزل السورة كاملة، وهكذا.

وكان النبي يُقرئ أصحابه ويُعلمهم معاني ما كان ينزل مفرقًا قبل أن يكتمل نزول جميع الآيات والسور، ولا يتصور أنه كان ينتظر حتى يتم نسق القرآن كاملًا ليعلمهم معناه.

فالصحابة إذن قد تلقوا علم التفسير مفرقًا بحسب ما نزل من القرآن، والتابعون قد تعلموه منهم، وعلَّموه لمن بعدهم كذلك.

وهذا كله ينسف هذا العلم المحدث، الذي استغنت عنه القرون الثلاثة المفضلة، علمًا وتعليمًا.

ثانيًا: تأليف القرآن:

وبناءً على ما سبق؛ فإن القرآن كتب بحسب ما كان ينزل منجمًا ومفرقًا، فتكتب الآيات النازلة في موضعها من السورة بأمر النبي ، ضعوا آية كذا في موضع كذا، أو في سورة كذا، فترتيب الآيات توقيفيًّا بالإجماع([21])، بخلاف ترتيب السور كما سيأتي بيانه.

وعلى هذا كان الصحابة يقرؤون القرآن، ويتعلمونه، ويكتبونه غير متناسب.

وبقيت المصاحف المنسوبة إلى بعض الصحابة مختلفة في التأليف والترتيب إلى عصر أبي بكر وعمر ﭭ، وإلى أن جمع عثمان ﭬ الأمة على المصحف الإمام، وألزمهم به، وأمر بجمع المصاحف التي بأيدي الصحابة والناس وتحريقها بالنار، سدًّا لذريعة الخلاف.

وربما بقيت بعض المصاحف الأولى بأيدي أصحابها قبل تعميم نسخ المصاحف العثمانية، وتقسيمها على كل الصحابة والناس؛ لأنه لم يكن بالإمكان نسخ العدد الكثير لاستيعاب كل المسلمين في الآفاق في وقت قصير، وإنما حصل  ذلك شيئًا فشيئًا.

يدل عليه ما رواه البخاري من طريق يوسف بن ماهك، حيث ذكر أنه كان عند أم المؤمنين عائشة ڤ، «فَجَاءَهَا عِرَاقِيٌّ فَقَالَ: أَرِينِي مُصْحَفَكِ لَعَلِّي أُوَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلَّفٍ، فَقَالَتْ: وَمَا يَضُرُّكَ أَيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ …»([22]).

وقد رجح الحافظ في الفتح أن هذه القصة حصلت بعد إرسال المصحف العثماني إلى العراق.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : «والذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود … فكان تأليف مصحفه مغايرًا لتأليف مصحف عثمان».

ثم نقل قول الجمهور بأن ترتيب السور في المصحف العثماني اجتهاد وليس بتوقيف من النبي ([23])، وهو قول الإمام مالك([24])، وابن تيمية([25]).

قال ابن بطال رحمه الله: «لا نعلم أحدًا قال بوجوب ترتيب السور في القراءة، لا داخل الصلاة ولا خارجها…» ([26]).

ويؤيده الأثر المشهور في سؤال ابن عباس ﭭ لعثمان ﭬ: «مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى بَرَاءَةَ وَهِيَ مِنَ المِئِينَ، وَإِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ المَثَانِي فَجَعَلْتُمُوهُمَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ وَلَمْ تَكْتُبُوا بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ النَّبِيُّ مِمَّا تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فَيَدْعُو بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ، وَيَقُولُ لَهُ: «ضَعْ هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا، كَذَا وَكَذَا»، وَتَنْزِلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَالْآيَتَانِ فَيَقُولُ: مِثْلَ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَّلِ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ وَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا فَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا فَمِنْ هُنَاكَ وَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»([27]).

ثالثًا: قراءة النبي في الصلوات، وقراءة الصحابة من بعده:

مما تقدم نعلم حتمًا أن النبي كان يقرأ ما تيسر من القرآن مما كان ينزل منجمًا ومفرقًا، شيئًا فشيئًا، فربما نزلت آيات من أول سورة، ثم ينزل بعدها بزمن آيات من آخرها، ثم تكمل الآيات التي بينهما، وهكذا، وربما اختار سورًا معينة يقرؤها في المجامع بعضها متوال بحسب ما جاء في ترتيب المصحف؛ كالجمعة والمنافقون([28])، وسبح والغاشية، في صلاة الجمعة والعيد([29])، وبعضها متفرق؛ كقراءته ب﴿ﭑ ﭒ ﭓ﴾، و﴿ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ﴾ في سنة الفجر([30])، وفي فجر الجمعة بالسجدة والإنسان([31]).

وقرأ في صلاة الليل بالبقرة، ثم النساء، ثم آل عمران([32]).

وقد جاء في حديث ابن مسعود أن النبي «كَانَ يَقْرَأُ النَّظَائِرَ السُّورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ، الرَّحْمَنَ وَالنَّجْمَ فِي رَكْعَةٍ، وَاقْتَرَبَتْ وَالْحَاقَّةَ فِي رَكْعَةٍ، وَالطُّورَ وَالذَّارِيَاتِ فِي رَكْعَةٍ، وَإِذَا وَقَعَتْ، وَنُونَ فِي رَكْعَةٍ…» الحديث([33]).

قال أبو داود رحمه الله: هذا تأليف ابن مسعود، والنظائر: أي المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة، أو الحكم، أو القصص([34]).

وأكثرها كما ترى غير متتابعة، ولا مرتبة بما في المصحف العثماني.

وهذا ينسف دعوى المناسبة بين السورة المتتابعات في المصحف، والنبي أعلم بلا ريب من جميع الخلق بما في السور من التناسب، فلم يكن الشأن في تواليها في المصحف، بل فيما اشتملت عليه من المعاني المتناسبة.

وتبعه أصحابه في اختياراتهم لما يُقرأ في الصلوات فلم يلتزموا القراءة بالسورة المتتابعة.

فكان منهم من يفتتح قراءته بعد الفاتحة بسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾([35])، ثم يقرأ غيرها، ومنهم من يفعل العكس، فيختم بسورة ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾([36])، وهما قصتان رواهما البخاري، وأقرهما النبي…

وصح عن عمر بن الخطاب أنه قرأ في الصبح في الركعة الأولى بالكهف، وفي الثانية بسورة يونس، علقه البخاري([37]).

رابعًا: أسباب النزول:

ومما يُفَنِّد دعوى المناسبة بين الآيات المتواليات أيضًا ما نزل من القرآن بسبب، ومنه النوع الذي توحَّد سببه وتعدد النازل فيه.

مثال ذلك: حادثة موت أبي طالب، حيث ورد في سبب نزولها قول الله تعالى: ﴿ إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص: 56] ([38]).

ونزل فيها أيضًا: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة: 113] ([39]).

وتناسب هاتين الآيتين في ذلك السبب أقرب من تناسبهما مع ما جاورهما من الآي، إلا ما كان مكملًا للمعنى؛ كقوله تعالى: ﴿   مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ[التوبة: 114]، فإنها متصلة بها.

مثال آخر: آية الكلالة المذكورة في آخر سورة النساء في الإخوة الأشقاء، مع مناسبتها لآية الكلالة في أول السورة وهي للإخوة لأم، قال تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ [النساء: 12].

ومن أمثلته: آيات الطلاق، ذكر بعضها في البقرة، وبعضها في الطلاق، وذُكرت العدة فيهما، وفي سورة الأحزاب.

وكثير من آيات الأحكام مفرقة في سور القرآن مع قوة التناسب بينها.

ومن ذلك القصص في القرآن، فقد ذكر جميع قصص الأنبياء في سور متفرقة -باستثناء سورة يوسف- مع قوة التناسب في القصة الواحدة.

فالقائلون بالتناسب في الآيات والسور المتتابعة المتوالية تكلفوا لها وجوهًا من المناسبة، وهي بعيدة في المعنى واللفظ.

ومن تتبع هذا العلم سيجد اختلافهم في هذا كثيرًا؛ لأن مبناه على الرأي المحض، والظن الذي لا يستند إلى برهان.

خامسًا: علم الناسخ والمنسوخ:

ومما ينقض علم التفسير بالمناسبة أيضًا: ورود النسخ في القرآن، فإنه إذا قيل: إن كل الآيات والسور المتواليات بينها تناسب، فإنه بعد نسخ تلاوتها سيختل التوالي والتتابع الذي كان قبل النسخ.

فسورة الأحزاب نسخ منها آيات كثيرة([40])، ونسخت آية «عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ…» ([41])، و«لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ …» الحديث([42])، قال أُبي: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت ﴿ﮋ ﮌ ﮍ﴾ [التكاثر]([43]).

ومما ورد نسخ أيضًا سورتا «الخلع»، و«الحفد»، وكانتا مكتوبتين في بعض مصاحف الصحابة، وورد أن عمر بن الخطاب كان يقنت بهما في صلاة الصبح، وكان أُبي يقنت بهما في النصف الآخر من رمضان.

سورة الخلع: «بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونؤمن بك ونتوكل عليك … ونخلع ونترك من يفجرك».

وسورة الحَفْد: «بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد …» ([44]).

فبعد رفع تلاوة هذه السورة والآيات، سيختل قطعًا نظام التناسب بالتوالي والتتابع عند من يزعمه ويدعيه إلا إذا تكلفوا له الجواب، فقالوا: إن لها تفسيرين بالتناسب: أحدهما قبل النسخ، والآخر بعده!!

سادسًا: اختلاف القراءات:

نزل القرآن على سبعة أحرف، وقد اختلف في معنى ذلك على خمسة وثلاثين قولًا([45]).

وجاء في لفظ حديث أبي بكرة: «كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية عذاب برحمة، ولا آية رحمة بعذاب، وهو كقولك: هَلُمَّ، وتعال، وأقبل…» ([46]).

وقد فصلوا وجوه اختلاف الأحرف في الزيادة والنقصان، والتقديم والتأخير، وغير ذلك([47]).

وممن أطال فيها وحررها، إمام المتأخرين في هذا الفن محمد بن الجزري في كتابه الماتع «النشر في القراءات العشر»، وذكر من أمثلة ما كان يُقرأ من أحرف:

– (زقية واحدة) بدل ﴿ صيحة واحدة﴾.

– (الصوف …) بدل ﴿الْعِهْنِ

– (سكرة الحق) بدل ﴿ سكرة الموت ﴾([48]).

إلى غير ذلك -مما لا يتسع المقام لذكره وشرحه- مما كان يُقرأ به أول الأمر.

ثم استقر الإجماع على القراءة بما يوافق رسم مصحف عثمان ﭬ، وطرح ما سواه، مع غيره من الشروط([49]).

وبقي الخلاف محصورًا في أوجه القراءات السبع والعشر، وغيرها مما استقر الأمر بصحة القراءة به.

وهذه القراءات المعروفة بينها اختلاف يسير في الحروف والكلمات، وشرح ذلك يخرجنا عن المقصود.

والمقصود أن ذلك يوهن حجة القائلين بالتناسب بين الآيات؛ لأنهم يعولون في المناسبة على الحروف والألفاظ، وهي لم تتفق وقت الإذن بالقراءة بالأحرف السبعة.

سابعًا: التفسير بالرأي:

مما اتفق عليه أئمة السلف من أصول التفسير: تحريم القول في القرآن بالرأي والظن.

وورد في تقريره أحاديث وآثار مشهورة، ذكرها ابن كثير وغيره في مقدمة تفسيره، منها:

1- قال أبو بكر: «أي أرض تُقِلُّني، وأي سماء تُظِلُّني، إن قلت في آية من كتاب الله برأيي»([50]).

2- قال ابن مسعود: «إن القرآن كلام الله تعالى، فمن كذب على القرآن، فإنما يكذب على الله عز وجل»([51]).

3- وقال مسروق رحمه الله: «اتقوا التفسير، فإنما هو الرواية عن الله»([52]).

ولا ريب أن كل طرق التفسير المخترعة بعد الصحابة والتابعين -كالتفسير الإشاري الصوفي، أو الفلسفي الكلامي، أو التفسير بالمناسبة وغيرها- إنما هو من التفسير بالرأي والظن، والقائل به مذموم، متوعد بالعقاب، أخطأ أم أصاب.

فإن قيل: إن باب الفهم في كلام الله ليس محصورًا في الآثار السابقة، فلا تضيقوا واسعًا!

فالجواب: إننا قد نسلِّم بأنه قد يفتح لبعض المتأخرين -كابن تيمية وغيره- فهم في بعض آيات أشكلت، مما يوافق الأصول العامة للتفسير.

لكننا لا نقبل أن يخترع بابًا وطريقةً يفسر بها القرآن كله، تضاهي طريقة السلف.

وقد قرأنا ما تكلف فيه أصحاب التفسير الإشاري، والفلسفي، والتفسير بالمناسبات، وكيف خرجوا به عن نهج الأولين، وعارضوا به سنن السلف الماضين، واستبدلوا الظن والوهم باليقين.

قال الإمام العز بن عبد السلام (ت: 660 هـ) معترضًا على المناسبات:

من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض، ويتشبَّث بعضه ببعض، لئلا يكون مقطعًا.

وهذا بشرط أن يقع الكلام في أمر متحد، فيرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحد الكلامين بالآخر.

ومن ربط ذلك فهو متكلف لما لا يقدر عليه إلا بربط ركيك، يُصان عن مثله حسن الحديث، فضلًا عن أحسنه.

فإن القرآن نزل في نيف وعشرين سنة، في أحكام مختلفة، شُرعت لأسباب مختلفة غير مؤتلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض، إذ ليس يُحسن أن يرتبط تصرف الإله في خلقه، وأحكامه بعضها ببعض، مع اختلاف العلل والأسباب([53]).

وقال الإمام الشوكاني (ت: 1250هـ):

اعلم أن كثيرًا من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاؤوا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلا عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه حسبما ذكر في خطبته.

وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقًا على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزول الوحي على رسول الله إلى أن قبضه الله عز وجل إليه.

وكل عاقل فضلًا عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضةً كتحريم أمر كان حلالًا، وتحليل أمر كان حرامًا، وإثبات أمر لشخص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارةً يكون الكلام مع المسلمين، وتارةً مع الكافرين، وتارةً مع من مضى، وتارةً مع من حضر، وحينًا في عبادة، وحينًا في معاملة، ووقتًا في ترغيب، ووقتًا في ترهيب، وآونةً في بشارة، وآونةً في نذارة، وطورًا في أمر دنيا، وطورًا في أمر آخرة، ومرةً في تكاليف آتية، ومرةً في أقاصيص ماضية.

وإذا كانت أسباب النزول مختلفةً هذا الاختلاف، ومتباينةً هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون والماء والنار والملاح والحادي؟

وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور؟ فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأن لا يكون القرآن بليغًا معجزًا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك، فوجده تكلفًا محضًا، وتعسفًا بينًا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة.

هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتبًا على هذا الترتيب الكائن في المصحف فكيف وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علمًا يقينًا أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوة، فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب، بالنظر في سورة من السور المتوسطة، فضلًا عن المطولة لأنه لا محالة يجدها مشتملةً على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [العلق]، وبعده ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ[المدثر]، ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ[المزمل]، وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف؟

وإذا كان الأمر هكذا، فأي معنى لطلب المناسب بين آيات نعلم قطعًا أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخرًا، وتأخر ما أنزله الله متقدمًا، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات، وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله ولا على من يقف عليه من الناس، وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارةً مدحًا وأخرى هجاءً، وحينًا نسيبًا وحينًا رثاءً، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفًا آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح ونحو ذلك، وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك، لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصابًا في عقله، متلاعبًا بأوقاته، عابثًا بعمره الذي هو رأس ماله.

وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة، وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف نراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان. وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب. وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة، وطرائق متباينة فضلًا عن المقامين، فضلًا عن المقامات، فضلًا عن جميع ما قاله ما دام حيا، وكذلك شاعرهم.

ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثر في ساحاتها كثير من المحققين.

وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؟ قلنا: لا كيف ([54]).

الخلاصة:

أولًا: أن التفسير بالمأثور عن الصحابة والتابعين ظل العمل عليه على نفس المنهج، من أول عصر التدوين فيه حتى زمننا هذا، منذ:

* أن كتب فيه مقاتل بن سليمان (ت: 150 هـ).

* وسفيان الثوري (ت: 161 هـ).

* وابن جرير الطبري (ت: 310 هـ).

* وابن المنذر (ت: 318 هـ).

* وابن أبي حاتم (ت: 327 هـ).

* والحاكم النيسابوري (ت: 405 هـ).

* وابن مردويه (ت: 410 هـ).

* فالبغوي (ت: 516 هـ).

* فالقرطبي (ت: 671 هـ).

* ثم ابن كثير (ت: 774 هـ).

ثم استمر هذا النهج حتى زماننا هذا، فإعراض كل أولئك عن تلك المناهج المحدثة في التفسير، دليل ظاهر على رفضها وإنكارها، حتى لو لم يصرحوا بذلك.

ثانيًا: إقرار المخترعين بأن تفسيرهم منقطع الصلة عن سلف هذه الأمة.

قال الرازي في معرض كلامه عن المناسبات: رأيت جمهور المفسرين معرضين عن هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسار([55]). انتهى.

(قلت): معنى كلامه أن الله تعالى حجب هذه اللطائف عن الصحابة ﭫ وأكابر التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، ولم يبصرهم بهذا العلم!!

وقال السيوطي: قلَّ اعتناء المفسرين به لدقته([56]). انتهى.

بل كان السلف أعمق علمًا وفهمًا وعملًا، وأقل تكلفًا، وأقدر من غيرهم على استنباط تلكم المناسبات، والخوض في مثل تلكم المضايق، وإنما عن علم تركوه، وعن فهم ثاقب اغفلوه، فتأمل هذا وعض عليه بالنواجذ.

ثالثًا: أن هذه الملة السمحة مبناها على اليُسر في كل شؤونها، العلمية والعملية، والتمسك بما كان عليه أئمة القرون الأولى من الصحابة ﭫ ومن تبعهم، والإعراض عن المحدثات، وترك التكلف والإغراب.

فلا يحتاج في فهم مراد الله ومراد رسوله ومصطفاه إلى الدخول في متاهات علم الإشارات، ولا التنطع في استنباط مناسبات للسور والآيات.

وتذكر دومًا قول رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»([57])، وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»([58]).

واعلم أن السعيد يكتفي بدليل، وصاحب الهوى لا يرجع ولو جئته بألف دليل.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

([1]) راجع على سبيل المثال آخر سطر من (ص: 10)، والذي يليه في البحث.

([2]) أخرجه الترمذي (2950)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في «الكبرى» (8085) عن ابن عباس، وأبو داود برواية ابن العبد كما في «التحفة» (4/423) عن مسدد عن أبي عوانة، وصححه ابن القطان في «النكت الظراف» (4/423)، وغيرهم.

([3]) «مقدمة في أصول التفسير» لابن تيمية (ص: 86) وما بعدها، بشرح ابن عثيمين.

([4]) جامع البيان (23/182) ط. دار الفكر.

([5]) أضواء البيان (7/256) ط. المكتبة التجارية – مكة المكرمة.

([6]) أخرجه أحمد (5/410) وإسناده صحيح، واحتج به أئمة التفسير في مقدمة كتبهم، وذكروا معه جملة من الآثار تبين حرص الصحابة ومن بعدهم على تعلم وتعليم هذا العلم الجليل (تفسير وتدبر القرآن).

([7]) مقدمة التفسير لابن تيمية (ص: 16).

([8]) أخرجه أحمد (5/410)، وابن أبي شيبة (10/460-461)، والطحاوي في مشكل الآثار (1451، 1452)، والطبري في تفسيره (1/80).

([9]) انظر: مقدمة التفسير لابن تيمية (ص: 171).

([10]) قال مجاهد: «عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فاتحته إلى خاتمته»، أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (10/559)، وعبد الله بن أحمد في «فضائل الصحابة» (1866، 1867)، والدارمي (1120)، والخلال في «السنة» (265)، وغيرهم، وله ألفاظ كثيرة.

([11]) انظر: مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية (ص: 16-20) بشرح العثيمين، ومجموع الفتاوى (7/167).

([12]) أخرجه البخاري (5002)، ومسلم (2463).

([13]) أخرجه البخاري (5000)، ومسلم (2462).

([14]) مقدمة «جامع البيان» للطبري (1/60-61).

([15]) أخرجه أبو داود (4604)، والترمذي (2664)، وغيرهما.

([16]) انظر: مقدمة في أصول التفسير (ص: 78) وما بعدها باختصار.

([17]) المصدر السابق.

([18]) هذا الجزء وما بعده من البحث شارك في إعداده معي العالم الجليل سمير بن خليل المالكي السلفي.

([19]) انظر: لسان العرب (8/531)، والبرهان (ص: 36)، والإتقان (3/286).

([20]) انظر: نظم الدرر (1/6)، والبرهان (ص: 37)، والإتقان (3/285).

([21]) انظر: فتح الباري (8/657)، والزيادة والإحسان في علوم القرآن لابن عقيلة (2/10).

([22]) أخرجه البخاري (4992)، كتاب: فضائل القرآن، باب: تأليف القرآن.

([23]) انظر: فتح الباري (8/656).

([24]) انظر: الزيادة والإحسان في علوم القرآن (2/12).

([25]) انظر: مجموع الفتاوى (13/396).

([26]) انظر: شرح البخاري لابن بطال (10/239).

([27]) انظر: مسند أحمد (1/57/69)، وأبو داود (786، 787)، والترمذي (3086)، وصححه على شرط الشيخين الحاكم ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في «تخريج أحاديث المختصر» (1/4، 45): هذا حديث حسن ورجاله رجال الصحيح إلا يزيد الفارسي، فإنه بصري مقل، قال أبو حاتم: لا بأس به.

([28]) أخرجه مسلم (877).

([29]) أخرجه مسلم (818).

([30]) انظر: صحيح مسلم (726).

([31]) انظر: صحيح البخاري (891)، ومسلم (880).

([32]) انظر: صحيح مسلم (772)، والترمذي (262)، وأبو داود (874).

([33]) انظر: سنن أبي داود (1396).، ومسند أحمد (1/418)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/346)، والطبراني في الكبير (9855)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود – الأم (1262)، وأصل الحديث دون سرد السور في البخاري (775)، ومسلم (822).

([34]) انظر: فتح الباري (2/259).

([35]) انظر: صحيح البخاري (774).

([36]) انظر: صحيح البخاري (7375)، ومسلم (813).

([37]) أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم قبل حديث رقم (774)، ووصله الطحاوي في «شرح المعاني» (1082)، وعزاه الحافظ في الفتح (2/300) للفريابي – كتاب الصلاة.

([38]) انظر: صحيح البخاري (4772)، كتاب التفسير.

([39]) انظر: فتح الباري (8/192) كتاب التفسير، حديث رقم (4675).

([40]) انظر: «زوائد مسند أحمد» (21207)، و«المصنف» لعبد الرزاق (5990)، وابن حبان في «صحيحه» (4428)، والبيهقي (16911)، والحاكم في «المستدرك» (8068).

([41]) انظر: صحيح مسلم (24-1452).

([42]) انظر: صحيح البخاري (6439)، ومسلم (1049) من حديث ابن عباس ﭭ.

([43]) أخرجه البخاري (6440).

([44]) انظر: «الدر المنثور» (10/ 403، 404، 505).

([45]) انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/42)، وفتح الباري (9/23)، والإتقان (1/138)، والزيادة والإحسان (1/475-476).

([46]) أخرجه ابن جرير الطبري (1/24).

([47]) انظر: مناهل العرفان للزرقاني (1/136) وما بعدها.

([48]) انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري (ص: 12، 14، 27، 28، 29).

([49]) انظر: النشر في القراءات العشر (ص: 10).

([50]) أخرجه مالك في «الموطأ» (2079)، وسعيد بن منصور في «سننه» (39)، والبيهقي في «المدخل» (792)، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» (824)، وابن أبي شيبة (10/512، 513)، والطبري في «تفسيره» (78، 89)، وحسنه الحافظ في «الفتح» (13/271).

([51]) أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (517)، وفي «الشعب» (2280)، والدارمي في «الرد على الجهمية» (156)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» (119)، وفي إسناه مجالد، تُكلم فيه.

([52]) أخرجه أبو عبد الله في «فضائل القرآن» (ص: 377).

([53]) نبذ من مقاصد الكتاب العزيز (ص: 89-90).

([54]) فتح القدير (1/85-87).

([55]) انظر: الإتقان (3/286).

([56]) المصدر السابق.

([57]) أخرجه البخاري (2687)، ومسلم (1718) من حديث عائشة ڤ.

([58]) أخرجه مسلم (18 – 1718) من حديث عائشة ڤ.

القائمة