>> فقه المرأة_المقال العاشر: حكم النفساء إذا لم تر الدم وحكم الدم قبل الولادة

فقه المرأة

باب الطهارة – المقالة العاشرة

     بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

     فقد شرعنا في المقالة السابقة في بيان الأحكام المتعلقة بالنفاس، وذكرنا  تعريف النفاس، ومدة النفاس، وهل كل وضع يثبت به النفاس أم لا ؟ ونستكمل ما بدأناه بإذن الله تعالى، وأسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناتنا يوم الحساب إنه سميع قريب مجيب الدعاء.

أولًا: حكم الدم الخارج قبل الولادة:

     إذا رأت المرأة دمًا قبل ولادتها فقد اختلف الفقهاء هل يعتبر نفاسًا أم لا على قولين:

القول الأول: لا يعتبر نفاسًا، وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية- البحر الرائق (1/229)، فتح القدير(1/187)، منح الجليل (1/185)، المجموع شرح المهذب (2/518)، الحاوي الكبير  (1/438).

واستدلوا: بأن النفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة فلا يكون ما قبلها نفاسًا؛ لأنه يتنافى مع تعريف النفاس.

وأيضًا لانسداد فم الرحم بالولد قبل الولادة فلا يخرج منه دم، وإنما يخرج دم النفاس بخروج الولد لانفتاح فم الرحم حينئذ- البحر الرائق (1/229).

القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن الدم إن خرج قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مصحوبًا بأمارات الولادة فهو نفاس، وإن خرج قبل ذلك فليس بنفاس- المغني لابن قدامة (1/262)،  الروض المربع (58).

واستدلوا على ذلك: بأنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا، كالخارج بعد الولادة، وإنما يعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبًا منها ويعلم ذلك برؤية أماراتها؛ من المخاض ونحوه في وقته: بخلاف ما إذا رأت الدم من غير أمارات الولادة، فلا تترك له العبادة؛ لأن الظاهر أنه دم فساد- المغني لابن قدامة (1/262).

أقوال أهل العلم في المسألة:

أولًا: من قال بأنه لا يعد نفاسًا:

جاء في البحر الرائق (1/229)

ودم الحامل استحاضة لانسداد فم الرحم بالولد فلا يخرج منه دم، ثم يخرج بخروج الولد للانفتاح به.

جاء في الشرح الكبير للدردير (1/175):

والنفاس دم أو صفرة أو كدرة خرج من القبل للولادة معها أو بعدها لا قبلها على الأرجح بل هو حيض.

جاء في المجموع شرح المهذب (2/518):

فإن خرج قبل الولادة شئ لم يكن نفاسًا، وإن خرج بعد الولادة كان نفاسًا.

جاء في الحاوي الكبير  (1/438):

وإن رأت في ولادتها دمًا فعلى ضربين:

أحدهما: أن يبتدئ بها مع الولادة.

والثاني: أن يبتدئ بها قبل الولادة، فإن بدأ بها الدم قبل الولادة فلا يخلو من أن يتصل بدم الولادة أم لا، فإن لم يتصل إلى ما بعد الولادة، وانقطع قبلها لم يكن ذلك الدم نفاسا، لا يختلف أصحابنا فيه، كان كالذي تراه المرأة من الدم على حملها هل يكون حيضا أم لا؟ على قولين.

أحدهما: قاله في القديم وهو مذهب أبي حنيفة يكون دم فساد، فلا يكون حيضًا.

والقول الثاني: قاله في الجديد، وهو مذهب مالك يكون حيضًا.

 

 

 

ثانيًا: من قال بأنه لا يعد نفاسًا إلا إذا خرج قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مصحوبًا بأمارات الولادة:

جاء في الكافي لابن قدامة (1/152):

فإن خرج قبل الولادة بيومين، أو ثلاثة، فهو نفاس؛ لأن سبب خروجه الولادة، وإن خرج قبل ذلك، فهو دم فساد؛ لأنه ليس بنفاس، لبعده من الولادة، ولا حيض؛ لأن الحامل لا تحيض.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/240):

وما تراه من حين تشرع في الطلق فهو نفاس وحكم دم النفاس حكم دم الحيض.

الراجح

والذي يظهر لي بعد عرض أقوال الفقهاء وأدلتهم أن القول الراجح هو القول الثاني القائل بأن الدم الذي يخرج قبل الولادة بيومين أو ثلاثة مصحوبًا بآلام الولادة نفاس ، وهو ما ذهب إليه الحنابلة وشيخ الإسلام، والله تعالى أعلم.

ثانيًا: إذا ولدت المرأة ولم تر دم النفاس:

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: يجب عليها الغسل بالولادة وإن لم تر الدم، ويبطل صومها إن كانت صائمة، وهو قول أبي حنيفة وزفر، ومالك في قول، والشافعية في أصح الوجهين، والحنابلة في رواية – تبيين الحقائق (1/86)، الشرح الصغير (1/166)، أسنى المطالب (1/64)، المغني لابن قدامة (1/154).

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

 1- أن الولادة بلا دم مظنة خروج الدم، فتعلق الحكم بها، كما جعل النوم ناقضًا للوضوء لأنه مظنة خروج الحدث وإن تحقق عدم خروج شيء، وكتعلق الغسل بالتقاء الختانين وإن لم يوجد الإنزال- نهاية المحتاج (1/413)، المغني لابن قدامة (1/252).

2- إذا وجب الغسل بخروج المني، الذي هو أصل الولد، فوجوبه بنفس الولد أولى- الوسيط في المذهب (1/373).

3- ولأن الولادة لا تخلو ظاهرًا عن قليل دم- فتح القدير (1/186).

4- كما أن وجوب الغسل بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها، كما أن النفاس تنفس الرحم وقد وجد- شرح مختصر خليل (1/165).

القول الثاني: لا يجب عليها الغسل، وهو قول أبي يوسف، ومالك في رواية، والشافعية في قول، والحنابلة في رواية- تبيين الحقائق (1/86)، مواهب الجليل (1/309)، نهاية المحتاج (1/212)، المغني لابن قدامة (1/154).

واستدلوا بما يأتي:

1- أن الوجوب من الشرع، وإنما ورد الشرع بإيجاب الغسل على النفساء، وليست هذه نفساء، ولا في معناها؛ لأن النفساء يخرج منها دم يقتضي خروجه وجوب الغسل، ولم يوجد ذلك فيمن لم يخرج منها- المغني لابن قدامة (1/252).

2- أن اغتسالها لخروج الدم لا لخروج الولد، فلو اغتسلت لخروج الولد لا للدم لم يجزها- شرح مختصر خليل (1/165).

أقوال أهل العلم في المسألة:

        أولًا: من قال بوجوب الغسل:

جاء في البحر الرائق (1/229):

لو ولدت ولم تر دمًا لا تكون نفساء، ثم يجب الغسل عند أبي حنيفة احتياطًا؛ لأن الولادة لا تخلوا ظاهرًا عن قليل دم.

جاء في تبيين الحقائق (1/86):

لو ولدت ولم تر دمًا يجب عليها الغسل عند أبي حنيفة وزفر وهو اختيار أبي علي الدقاق؛ لأن نفس خروج النفس نفاس على ما تقدم.

جاء في أسنى المطالب (1/64):

موجبه….. خروج ولد ولو علقة ومضغة و بلا بلل؛ لأنه مني منعقد، ولأنه لا يخلو عن بلل غالبًا، فأقيم مقامه كالنوم مع الخارج، وتفطر به المرأة على الأصح في التحقيق وغيره.

جاء في المغني لابن قدامة (1/154):

     فأما الولادة إذا عريت عن دم، فلا يجب فيها الغسل، في ظاهر كلام الخرقي. وقال غيره: فيها وجهان؛ أحدهما يجب الغسل بها؛ لأنها مظنة للنفاس الموجب، فقامت مقامه في الإيجاب، كالتقاء الختانين؛ ولأنها يستبرأ بها الرحم أشبهت الحيض.

جاء في نهاية المحتاج (1/212):

وكذا ولادة بلا بلل في الأصح لأنها لا تخلو عن بلل وإن كنا لا نشاهده، ولأنه يجب بخروج الماء الذي يخلق منه الولد فبخروج الولد أولى.

والثاني لا، لقوله – عليه الصلاة والسلام – «إنما الماء من الماء».

ثانيًا: من قال بعدم وجوب الغسل:

 جاء في تبيين الحقائق (1/86):

لو ولدت ولم تر دمًا ….عند أبي يوسف وهو رواية عن محمد لا غسل عليها لعدم الدم قال في المفيد هو الصحيح لكن يجب عليها الوضوء لخروج النجاسة مع الولد إذ لا يخلو عن رطوبة.

الراجح

والذي أراه وأعتقد أنه الحق أن الأحوط أن تغتسل خروجًا من الخلاف؛ لأن الولادة مظنة للنفاس الموجب للغسل، ولأن الغالب في الولادة خروج دم ولو قليل مع المولود أو عقبه، والله تعالى أعلم.

ثالثًا: الولادة القيصري:

إذا ولدت المرأة بعملية جراحية بما يسمى بالولادة القيصرية ولم تر دمًا فلا تكون نفساء، فتصوم وتصلي كسائر الطاهرات، فإن رأت الدم صارت نفساء وتمكث حتى تطهر.

جاء في فتح القدير (1/186):

فإنها لو ولدت من قبل سرتها بأن كان ببطنها جرح فانشقت وخرج الولد منها تكون صاحبة جرح سائل لا نفساء وتنقضي به العدة وتصير الأمة أم ولد به.

رابعًا: يجوز للنفساء الإحرام بالحج والعمرة:

 بدليل ما جاء في حديث جابر الطويل في مسلم «…. فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي…» صحيح مسلم (1218).

والاستثفار: هو أن تشد في وسطها شيئًا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها- شرح النووي (4/435).

قال الخطابي في معالم السنن (2/199):

وفي قوله لأسماء وهي نفساء لم تتعل من نفاسها اغتسلي واستثفري دليل على أن من سنة المحرم الاغتسال، وإن الحائض إذا أرادت الإحرام اغتسلت له كالطاهر.

خامسًا: علامة الطهر من النفاس:

تطهر النفساء كما تطهر الحائض بأحد أمرين:

     الأول: القصة البيضاء: وهي سائل أبيض شفاف يخرج من النساء في آخر الحيض، يكون علامة على الطهر.

     الثاني: الجفاف التام: وذلك بأن تدخل المرأة قطنة أو خرقة في فرجها، فتخرج بيضاء ليس فيها شيء من الدم لا صفرة ولا كدرة ولا غيرهما.

جاء في حاشية الصاوي على الشرح الصغير( 1/214):

     علامة الطهر أي انقطاع الحيض أمران: الجفوف: أي خروج الخرقة خالية من أثر الدم وإن كانت مبتلة من رطوبة الفرج، والقصة: وهي ماء أبيض كالمني أو الجير المبلول. والقصة أبلغ: أي أدل على براءة الرحم من الحيض، فمن اعتادتها أو اعتادتهما معًا طهرت بمجرد رؤيتها فلا تنتظر الجفوف.

مجلة التوحيد- المقالة العاشرة  من فقه المرأة                  

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

القائمة