>> المقالة السادسة والثلاثون: باب النكاح – تابع شروط النكاح

فقه المرأة

باب النكاح – المقالة السادسة والثلاثون

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

     تحدثنا في المقالة السابقة عن الشرط الأول من شروط النكاح وهو الإيجاب والقبول من الطرفين، وذكرنا الألفاظ التي ينعقد بها النكاح، وهل رضا المنكوحة واجب أم مستحب؟ ونستكمل بعض الأحكام المتعلقة بفقه النكاح سائلين الله عز وجل أن يتقبل جهد المقل وأن ينفع به المسلمين.

أولًا: الشرط الثاني: تعين الزوجين:

التعين شرط في صحة عقد الزواج، ومعنى ذلك أن يخطب الرجل امرأة بعينها فيقبل ذلك، فلا يجوز أن ينصرف القبول إلى غيرها، وكذلك المرأة إذا قبلت رجل بعينه فلا يجوز أن ينصرف القبول إلى غيره.

أقوال أهل العلم:

جاء في روضة الطالبين (5/389):

يشترط في كل واحد من الزوجين أن يكون معينًا، فلو قال: زوجتك إحدى ابنتي أو قال زوجت بنتي أحدكما أو أحد ابنيك لم يصح، ولو كان له بنت واحدة فقال: زوجتك بنتي صح وإن لم يسمها.

قال صاحب المغني (6/382):

من شرط صحة النكاح تعيين الزوجين لأن كل عاقد ومعقود عليه يجب تعيينهما كالمشتري والمبيع ثم ينظر فإن كانت المرأة حاضرة فقال زوجتك هذه، صح فإن الإشارة تكفي في التعين، فإن زاد على ذلك فقال ابنتي هذه أو هذه فلانة كان تأكيدًا، وإن كانت غائبة فقال زوجتك ابنتي وليس له سواها جاز فإن سماها باسمها مع ذلك كان تأكيدًا، فإن كان له ابنتان أو أكثر فقال زوجتك ابنتي لم يصح حتى يضم إلى ذلك ما تتميز به من اسم أو صفة، فيقول زوجتك ابنتي الكبرى أو الوسطى أو الصغرى، فإن سماها مع ذلك تأكيدًا.

وفي السيل الجرار (2/275):

قال الشوكاني: هذا أمر لا بد منه ولولا ذلك لم يكن العقد على شيء يعقد ولا يسمى عقدًا ولا يثبت له أحكامه ويكون التعين بما يفيد ذلك، من ذكر اسم المنكوحة أو لقبها أو وصفها أو الإشارة إليها أو سبق التواطؤ عليها.

الشرط الثالث: الولي:

الولي شرط في صحة العقد عند جمهور السلف والخلف، وقد جاء ما يدل على ذلك في كتاب الله وسنة نبينا.

قال تعالى: إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ۚ  [البقرة: 231].

– عن أبي موسى أن النبي  قال: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ»- صحيح سنن أبي داود (2085) ومسند أحمد (4/394) وصحيح الترمذي (1101) وابن حبان (4065) وصحيح ابن ماجه (1881).

– وعن عائشة أن رسول الله قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَه»- صحيح سنن الترمذي (1102) ومسند أبي عوانة (4037) وصحيح سنن أبي داود (2083) ومسند الإمام أحمد (24205) وابن حبان (4062).

– وعن ابن عباس أن النبي  قال: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا». أخرجه مسلم (1421) وأبو عوانة (4241) والترمذي (1108) وأبو داود (2089) وغيرهم.

مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أن النكاح بغير ولي باطل، وحجتهم في ذلك الآية الكريمة وأحاديث الباب، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم من الأئمة.

وخالفهم في ذلك أبو حنيفة، وحجته أنه ضعف حديث «لا نكاح إلا بولي» والحديث صحيح عند جمهور المحدثين والفقهاء واحتج أيضًا بحديث ابن عباس المتقدم وفيه… «وَالْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا» فأجاز تزويج الثيب نفسها بدون ولي، ووافقه في جواز زواج الثيب بدون ولي داود الظاهري.

أقوال أهل العلم:

أولًا: من قال النكاح بغير ولي باطل:

جاء في المدونة (2/106):

بعد أن ذكر الآية الكريمة، فالعضل من الولي وأن النكاح لا يتم إلا برضا الولي المزوِّج ولا يتم إلا به، واستدل بأحاديث منها حديث عائشة المتقدم في الباب.

قال الشافعي في الأم (5/22):

بعد أن ذكر الآية كما تقدم، قال: وهذا أبين ما في القرآن من أن للولي مع المرأة في نفسها حقًا، وأن على المولى أن لا يعضلها إذا رضيت أن تنكح بالمعروف، وجاءت السنة بمثل معنى كتاب الله عز وجل… وساق حديث عائشة المتقدم في الباب، ثم قال: فأي امرأة نكحت بغير إذن وليها فلا نكاح لها، لأن النبي قال: «فنكاحها باطل».

جاء في مطالب أولى النهى (7/60):

والأصل في اشتراط الولي حديث أبي موسى مرفوعًا «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه أحمد وابن معين، قاله المروذي، وقال: سألت أحمد ويحيى عن حديث: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» فقالا: صحيح وهو لنفي الحقيقة الشرعية لا اللغوية، بدليل ما روى عن عائشة مرفوعًا «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ…» الحديث، ولا يمكن أن يقال حمل الرواية الأولى على نفي الكمال لأن كلام الشارع محمول على الحقائق الشرعية، أي: لا نكاح شرعي أو موجود في الشرع إلا بولي، أما الآية فالنهي عن العضل عم الأولياء، ونهيهم عنه دليل على اشتراطهم، إذ العضل لغة: المنع، وهو شامل للعضل الحسي والشرعي، ثم الآية نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته فدعاه النبي r فزوجها ولو لم يكن لمعقل ولاية وأن الحكم متوقف عليه لما عوتب عليه.

قال الصنعاني في سبل السلام (3/172):

في معرض شرحه لحديث أبي موسى المتقدم، الحديث دل على أنه لا يصح النكاح إلا بولي لأن الأصل في النفي نفي الصحة لا الكمال… وحكي عن ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من الصحابة خلاف ذلك وعليه دلت الأحاديث.

وفي المحلى (9/25):

قال ابن حزم: ولا يحل للمرأة نكاح ثيبًا كانت أو بكرًا إلا بإذن وليها.

قال صديق خان في الروضة الندية (2/16):

وفي الباب أحاديث، قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي  عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش ثم سرد تمام ثلاثين صحابيًا، أقول: الأدلة على اعتبار الولي وأنه لا يكون العاقد سواه وأن العقد من المرأة لنفسها بدون إذن وليها باطل، قد رويت من طريق جماعة من الصحابة فيها الصحيح والحسن… إلى أن قال: ولا يعارض هذه الأحاديث حديث: «الْأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ» ونحوه، لأن المراد أنها أحق بنفسها في تعيين من تريد نكاحه إن كانت ثيبًا والبكر يمنعها الحياء من التعيين فلا بد من استئذانها وليس المراد أن الثيب تزوج نفسها أو توكل من يزوجها مع وجود الولي فعقد النكاح أمر آخر، وبهذا تعلم أن لا وجه لما ذهبت إليه الظاهرية من اعتبار الولي في البكر دون الثيب.

ثانيًا:من قال بعدم اشتراط الولي:

قال الكاساني في بدائع الصنائع (2/370):

ولأبي حنيفة: الكتاب العزيز والسنة والاستدلال، أما الكتاب فقوله تعالى: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا

[الأحزاب: 50]، فالآية الشريفة نص على انعقاد النكاح بعبارتها، وانعقادها بلفظ الهبة فكانت حجة على المخالف في المسألتين وقوله تعالى: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ [البقرة: 230]، والاستدلال به من وجهين:

أحدهما: أنه أضاف النكاح إليها، فيقتضي انتهاء الحرمة عند نكاحها نفسها وعنده لا تنتهي، وقوله عز وجل فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا [البقرة: 230]فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ۗ أي يتناكحا، أضاف النكاح إليهما من غير ذكر الولي… إلى أن يقال وكذا قوله : «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ» مع ما حكي عن بعض النقلة أن ثلاثة أحاديث لم تصح عن رسول الله  وعدّ من جملتها هذا.

تعقيب وترجيح

أرى –والله تعالى أعلم– أن الصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور منهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد وابن حزم وغيرهم من الأئمة من أن الولي شرط في صحة العقد وأن النكاح بغير إذن الولي باطل –والبكر والثيب في ذلك سواء– كما دلت الآية على ذلك والأحاديث التي اتفق على صحتها جمهور المحدثين سلفًا وخلفًا، وبالله التوفيق.

مجلة التوحيد- المقالة السادسة والثلاثون  من فقه المرأة                  

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

القائمة