فقه المرأة

باب النكاح – المقالة السابعة والثلاثون

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

     تحدثنا في المقالة السابقة عن شرطين من شروط النكاح وهما: تعيين الزوجين، والولي، ونستكمل بعض الأحكام المتعلقة بفقه النكاح سائلين الله عز وجل أن يتقبل جهد المقل وأن ينفع به المسلمين.

أولًا: ما المراد بالولي؟

المراد بالولي هو الأقرب من العصبة من النسب ثم من السبب ثم من عصبته، وليس لذوي السِّهام ولا لذوي الأرحام ولاية، وهذا مذهب الجمهور.

وروى عن أبي حنيفة أن ذوي الأرحام من الأولياء، فإذا لم يكن ثمَّ ولي أو كان موجودًا وعضل، انتقل الأمر إلى السلطان لأنه ولي من لا ولي له، لما روي عن عائشة مرفوعًا وفيه: «فالسُّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لَا وَلَيَّ لَهُ» صحيح سنن أبي داود (2083) وصحيح الترمذي (1104) وصحيح ابن ماجه (1879).

أقوال أهل العلم في بيان من هم الأولياء:

جاء في العناية شرح الهداية (3/ 285)

(ولغير العصبات من الأقارب) يعني كالأخوال والخالات والعمات (ولاية التزويج عند عدم العصبات) أي عصبة كانت سواء كانت عصبة يحل النكاح بينه وبين المرأة كابن العم أو لم يحل كالعم ومولى العتاقة وعصبته من العصبات، ثم عند أبي حنيفة بعد العصبات الأم ثم ذوو الأرحام الأقرب فالأقرب.

جاء في المدونة الكبرى (2/105):

قال سحنون: أكان مالك يقول إذا اجتمع الأولياء في نكاح المرأة أن بعضهم أولى من بعض؟ قال ابن القاسم قال مالك: إن اختلف الأولياء وهم في القعود سواء، نظر السلطان في ذلك، قال وإن كان بعض أقعد من بعض فالأقعد أولى بإنكاحها عند مالك، قلت فالأخ أولى أم الجد؟ قال: الأخ أولى من الجد عند مالك، قلت: فابن الأخ أولى أم الجد في قول مالك؟ قال: ابن الأخ أولى، قلت: فمن أولى بإنكاحها الابن أم الأب؟ قال مالك: الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها.

جاء في الحاوي الكبير (9/91-92):

قال الشافعي: ولا ولاية لأحد مع الأب، فإن مات فالجد ثم أبو الجد ثم أبو أبي الجد كذلك لأن كلهم أب في الثيب والبكر سواء.

قال الماوردي: اعلم أن الولاية في النكاح تكون للأب ثم لمن ناسب الأب ولا يستحقها بالنسب من لم يرجع بالنسب إلى الأب… فإذا انقرض عمود الآباء كانت الدرجة الأولى بني الأب وهم الإخوة وعمودها بنوهم وإن سفلوا.

والدرجة الثانية: بنو الجد وهم الأعمام وعمودها بنوهم وإن سفلوا.

والدرجة الثالثة: بنو أبي الجد وهم أعمام الأب وعمودها بنوهم وإن سفلوا، وكذلك بنو أب بعد أب حتى ينقرض بنو جميع الآباء… فإذا تقررت هذه القاعدة في ترتيب العصبات لاستحقاق الولاية فأول درجة ينتقل إليها الولاية بعد الآباء الإخوة.

والإخوة ثلاثة أقسام: إخوة لأب وأم، وإخوة لأب، وإخوة لأم.

فأما الإخوة للأم فلا ولاية لهم سواء اجتمعوا مع غيرهم من العصبات أو انفردوا، لأنهم لما أدلوا بالأم ولم يرجعوا بنسبهم إلى الأب خرجوا من جملة العصبات المناسبين فلم يكن لهم ولاية.

قال ابن قدامة في المغني (6/321):

بعد أن ساق تفصيل مسألة الأولياء. وجملته: أن الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية فأولاهم بعد الآباء بنو المرأة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو أبيها وهم الإخوة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جدها وهم الأعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب وإن سفلوا ثم بنو جد الجد ثم بنوهم وعلى هذا لا يلي بنو أب أعلى من مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم.

ولا ولاية لغير العصبات من الأقارب كالأخ من الأم والخال وعم الأم والجد أبو الأم ونحوهم نص عليه أحمد وهو قول الشافعي وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة.

وفي (ص: 322) قال: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم في أن للسلطان ولاية تزويج المرأة عند عدم أوليائها أو عضلهن وبه يقول مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأصحاب الرأي والأصل فيه قول النبي r «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».

تعقيب وترجيح:

بعد عرض أقوال أهل العلم أرى رجحان مذهب الجمهور من أن أولياء المرأة في الزواج هم العصبة، وليس للخال ولا للإخوة لأم ولا لوالد الأم ولا لذوي الأرحام ولاية.

فيكون الأولياء هم: الأب وإن علا والابن وإخوة المرأة لأب وأم أو لأب، وبنوهم وإن سفلوا وعم المرأة وإن علا وبنو عمها وإن سفلوا والله تعالى أعلم بالصواب.

ثانيًا: ترتيب الأولياء:

اختلف الفقهاء في ترتيب الأولياء على النحو التالي:

القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن أولياء المرأة أبوها، ثم الجد بعد الأب قائم مقام الأب ثم الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب على قياس ترتيب العصوبة.

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن من كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية، والأبناء أولى وإن سفلوا، ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأم، ثم للأب فقط، ثم الأجداد للأب وإن علوا.

القول الثالث: ذهب الشافعية إلى أنه يقدم الأب، ثم أبوه، ثم أبوه، إلى حيث ينتهي، ثم الأخ من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم العم من الأبوين، أو من الأب، ثم ابنه وإن سفل، ثم سائر العصبات. والترتيب في التزويج، كالترتيب في الإرث.

القول الرابع: أحقهم بالميراث أحقهم بالولاية، فأولاهم بعد الآباء بنو المرأة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنوا أبيها وهم الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جدها وهم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الجد، ثم بنوهم.

وهذه أقوال الفقهاء في المسألة:

جاء في المبسوط للسرخسي (4/ 219):

فأولى الأولياء عليها أبوها، ثم الجد بعد الأب قائم مقام الأب في ظاهر الرواية، وذكر الكرخي – رحمه الله تعالى – أن هذا قول أبي حنيفة -رحمه الله تعالى-، فأما عند أبي يوسف ومحمد – رحمها الله تعالى – الأخ والجد يستويان؛ لأن من أصلهما أن الأخ يزاحم الجد في العصوبة حتى يشتركا في الميراث، فكذا في الولاية، وعند أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – الجد مقدم في العصوبة، فكذلك في الولاية. والأصح أن هذا قولهم جميعا؛ لأن في الولاية معنى الشفقة معتبر وشفقة الجد فوق شفقة الأخ، ولهذا لا يثبت لها الخيار في عقد الجد كما لا يثبت في عقد الأب بخلاف الأخ ويثبت للجد الولاية في المال والنفس جميعا، ولا يثبت للأخ، وكذلك في حكم الميراث حال الجد أعلى حتى لا ينقص نصيبه عن السدس بحال فلهذا كان في حكم الولاية بمنزلة الأب لا يزاحمه الإخوة، ثم بعد الأجداد من قبل الآباء وإن علوا الأخ لأب وأم، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ لأب وأم، ثم ابن الأخ لأب، ثم العم لأب وأم، ثم العم لأب، ثم ابن العم لأب وأم، ثم ابن العم لأب على قياس ترتيب العصوبة.

جاء في بداية المجتهد ونهاية المقتصد (3/ 40):

واختلفوا في ترتيب الولاية من النسب فعند مالك أن الولاية معتبرة بالتعصيب إلا الابن، فمن كان أقرب عصبة كان أحق بالولاية، والأبناء عنده أولى وإن سفلوا. ثم الآباء، ثم الإخوة للأب والأم، ثم للأب، ثم بنو الإخوة للأب والأم، ثم للأب فقط، ثم الأجداد للأب وإن علوا.

جاء أسنى المطالب في شرح روض الطالب (3/ 129):

ترتيب الأولياء: فيقدم القرابة ثم الولاء ثم السلطنة ويقدم من القرابة الأب ثم الجد وإن علا ثم بقية العصبة وترتيبهم هنا كالميراث، أي كترتيبهم فيه إلا أن الابن لا يزوج أمه بالبنوة، إذ لا مشاركة بينه وبينها في النسب فلا يعتني بدفع العار عن النسب ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم بل يزوج بالعصوبة أو بالولاء أو بالقضاء ولا يضر البنوة؛ لأنها غير مقتضية لا مانعة والجد يقدم على الأخ هنا وإن استويا في استحقاق الإرث؛ لأن التزويج ولاية والجد أولى لزيادة شفقته ولهذا اختص بولاية المال والأخ للأبوين مقدم على الأخ للأب كما في الإرث وهذا علم من قوله وترتيبهم كالميراث.

جاء في  المغني لابن قدامة (7/ 16):

الولاية بعد من ذكرنا تترتب على ترتيب الإرث بالتعصيب، فأحقهم بالميراث أحقهم بالولاية، فأولاهم بعد الآباء بنو المرأة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنوا أبيها وهم الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جدها وهم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الأب وهم أعمام الأب، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم بنو جد الجد، ثم بنوهم، وعلى هذا لا يلي بنو أب أعلى مع بني أب أقرب منه وإن نزلت درجتهم، وأولى ولد كل أب أقربهم إليه، لأن مبنى الولاية على النظر والشفقة، وذلك معتبر بمظنته، وهي القرابة، فأقربهم أشفقهم. ولا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم.

ثالثًا: هل للابن ولاية لتزويج أمه؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن للابن أن يزوج أمه. 

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

 1- ما روي عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، بَعَثَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَزَوَّجْهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَخْطُبُهَا عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: أَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، وَأَنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: ” ارْجِعْ إِلَيْهَا فَقُلْ لَهَا: أَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي امْرَأَةٌ غَيْرَى، فَسَأَدْعُو اللَّهَ لَكِ فَيُذْهِبُ غَيْرَتَكِ، وَأَمَّا قَوْلُكِ إِنِّي امْرَأَةٌ مُصْبِيَةٌ، فَسَتُكْفَيْنَ صِبْيَانَكِ، وَأَمَّا قَوْلُكِ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِي شَاهِدٌ، فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ “، فَقَالَتْ لِابْنِهَا: يَا عُمَرُ، قُمْ فَزَوِّجْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَزَوَّجَهُ- سنن النسائي الكبرى (5375)، والصغرى(3254)، صحيح ابن حبان (2949)، سنن البيهقي الكبرى(13752) المستدرك على الصحيحين (2734).

2- ولأن الابن أولى بالميراث وأقوى تعصيبًا فجاز له أن يزوج أمه- المغني (7/1).

القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن الابن لا يزوج أمه أسنى المطالب في شرح روض الطالب (3/ 129)

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

1- أن المرأة لا ولاية لها على نفسها، والولد جزء منها فلا يثبت له الولاية عليها- الإقناع (2/412)، أسنى المطالب (3/129).

2- أنه لا مشاركة بين الابن وأمه في النسب فلا يعتني بدفع العار عن النسب ولهذا لم تثبت الولاية للأخ من الأم.

أقوال العلماء في المسألة:

أولًا: من قال بأن الابن يزوج أمه:

جاء في البناية شرح الهداية (5/ 93):

والترتيب في العصبات في ولاية النكاح كالترتيب في الإرث فأقرب الأولياء الابن، ثم ابنه وإن سفل، ثم الأب، ثم الجد وإن علا.

جاء في القوانين الفقهية (ص: 134):

والمقدم من الأقارب الابن ثم ابنه وإن سفل ثم الأب ثم الأخ ثم ابنه ثم الجد ثم العم ثم ابنه وقيل الأب أولى من الابن.

جاء في المغني لابن قدامة (6/ 320):

متى عدم الأب وآباؤه فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها ثم ابنه بعده.

وجملته أنه متى عدم الأب وآباؤه، فأولى الناس بتزويج المرأة ابنها، ثم ابنه بعده وإن نزلت درجته، الأقرب فالأقرب منهم. وبه قال أصحاب الرأي. وقال الشافعي: لا ولاية للابن إلا أن يكون ابن عم، أو مولى، أو حاكمًا، فيلي بذلك، لا بالبنوة؛ لأنه ليس بمناسب لها، فلا يلي نكاحها كخالها، ولأن طبعه ينفر من تزويجها، فلا ينظر لها.

ثانيًا: من قال بأن الابن لا يزوج أمه:

جاء في الأوسط لابن المنذر (8/ 305،304):

وقالت طائفة: الأب أولى من الابن، وليس للابن أن يزوجها إلا أن يكون من عصبتها ويكون أقرب إليها. هكذا قال الشافعي، وقال أحمد: أحقهم بالمرأة أن يزوجها أبوها ثم الابن، وحكي عن النعمان قول ثالث، وهو إن من زوجها منهما جائز.

تعقيب وترجيح:

بعد عرض أقوال أهل العلم أرى رجحان مذهب الجمهور من أن للابن أن يزوج أمه لقوة ما استدلوا به، ولأن الابن أولى بالميراث وأقوى تعصيبًا فجاز له أن يزوج أمه، والله تعالى أعلم بالصواب.

مجلة التوحيد- المقالة السابعة والثلاثون  من فقه المرأة                  

للدكتورة/ أم تميم عزة بنت محمد

 

الموقع الرسمي لأم تميم

www.omtameem.com

 

القائمة